الصحفي رفاد العياصره يكتب الفصل السادس: الزلزال الكبير - يوم ماتت المدينة جدارا
بقلم - الصحفي رفاد العياصره
---------------------------
المدينة التي ظنت أنها خالدة
جدارا كانت واثقة من نفسها كثيراً.
بنت أسوارها من البازلت الأسود، وقالت: لن أسقط.
بنت مسارحها لتسمع صوتها للعالم، وقالت: لن أسكت.
بنت نفقاً 170 كيلو تحت الأرض، وقالت: لن أعطش.
نسيت شيئاً واحداً فقط.. أنها بنت كل هذا فوق صدع زلزالي يتحرك كل مئة سنة.
كانت جدارا مثل رجل قوي جداً، يرفع الأثقال، لكنه يقف على رمال متحركة. القوة لا تنفع إذا كانت الأرض تحتك خائنة.
وهذا ما حدث في فجر يوم أسود.. سنة 749 ميلادي.
: الساعة التي توقف فيها الزمن
1. الفجر الأسود:
تخيل المشهد. الساعة الخامسة فجراً. جدارا نائمة. التجار نائمون فوق دكاكينهم في شارع الأعمدة. الجنود نائمون. الفلاسفة نائمون. الأطفال نائمون في بيوتهم الحجرية.
فجأة.. اهتزت الأرض. ليس اهتزازاً عادياً. الأرض هزت هزاً كأنها تريد أن تقلب نفسها.
في 30 ثانية فقط.. كل شيء انتهى.
زلزال بلاد الشام الكبير سنة 749م. قوته فوق 7 درجات. ضرب من دمشق إلى القدس إلى طبريا إلى جدارا. أقوى زلزال في تاريخ المنطقة.
2. كيف ماتت جدارا مرة واحدة؟
جدارا لم تمت بالتدريج مثل البتراء. جدارا ماتت مرة واحدة، بضربة قاضية.
- سقطت أعمدتها: الأعمدة التي صمدت 800 سنة أمام الحروب والغزاة، سقطت كأعواد الكبريت. اليوم إذا ذهبت إلى جدارا، سترى الأعمدة مرمية على الأرض بنفس اتجاه الزلزال، كأنها جنود قتلى في معركة.
- سقطت أسواقها: الأسقف الحجرية الثقيلة التي كانت تحمي السوق، انهارت فوق رؤوس التجار.
- مات نصف سكانها تحت الأنقاض: لم يكن هناك دفاع مدني، ولا إسعاف. من كان تحت السقف، مات تحته. الصراخ سكت في دقائق. ورائحة الموت بقيت لشهور.
لم تمت لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت على صدع زلزالي مباشر، صدع وادي الأردن. أقوى مدينة بالحجر، بنيت على أضعف نقطة في الأرض.
3. بعد الموت - إهانة التاريخ:
وهنا تبدأ القصة المحزنة، القصة التي تجعلك تبكي.
ومن يومها.. لم تقم جدارا.
جاء العرب الفاتحون، وجدوها مدينة ميتة، فتركوها.
ثم جاء المماليك، وسكنوا بجانبها.
ثم جاء العثمانيون قبل 300 سنة، وفعلوا شيئاً يوجع القلب.
بنوا بيوتهم الصغيرة الطينية فوق أعمدتها الضخمة.
سكنوا فوق المسرح، المسرح الذي كان يتسع لـ 3000 فيلسوف، أصبح زريبة غنم.
واستخدموا التيجان الرخامية الكورنثية، التي نحتها فنان يوناني لمدة شهر، استخدموها كمرابط للحمير والبغال، يربطون بها الحمار حتى لا يهرب!
تخيل الإهانة.. تاج رخامي كان فوق معبد، أصبح مربوطاً به حمار.
مدينة الفلاسفة التي علمت روما كيف تفكر، أصبحت قرية للفلاحين يزرعون القمح بين أعمدتها.
هذه هي قسوة التاريخ. التاريخ لا يحترم الفلاسفة، التاريخ يحترم فقط من يبقى واقفاً.
الخلاصة التي تصفعنا اليوم:
جدارا تقول لك: يمكنك أن تكون أقوى مدينة في العالم، أذكى مدينة، أجمل مدينة.. لكن إذا بنيت حضارتك على أرض هشة، على فوضى، على صدع.. ستسقط في 30 ثانية.
زلزال 749 لم يسقط الحجارة فقط، أسقط فكرة أن القوة وحدها تكفي.
جدارا ماتت لأنها نسيت أن تنظر تحت قدميها، وهي مشغولة بالنظر إلى طبريا والجولان من فوق مسرحها.













