facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

المناصير يكتب: خطاب العرش السامي... رؤية دولة في مواجهة التحولات، ورسالة قيادة ترسم ملامح المستقبل.

المناصير يكتب: خطاب العرش السامي... رؤية دولة في مواجهة التحولات، ورسالة قيادة ترسم ملامح المستقبل.
بقلم الدكتور. جابر أحمد سليمان المناصير - مدير الشؤون الإدارية والمالية للواء الجامعة.
---
في المحطات الوطنية الكبرى، لا تُقاس أهمية الخطابات الملكية بما تتضمنه من مواقف وتوجيهات فحسب، بل بما تحمله من رؤية عميقة لطبيعة المرحلة، وما تكشف عنه من أولويات الدولة، وما تضعه أمام مؤسساتها ومواطنيها من مسؤوليات تجاه الحاضر والمستقبل. ومن هذا المنطلق، جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، ليشكل وثيقة وطنية وسياسية ذات دلالات استراتيجية واضحة، عبّرت عن ثبات الدولة الأردنية في مواجهة التحديات، ورسخت معادلة متوازنة تجمع بين صون الأمن والاستقرار، والدفاع عن الثوابت القومية، وتعزيز مسيرة التنمية، وترسيخ سيادة القانون، وجعل مصلحة المواطن في صلب القرار الوطني.

لقد حمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن الأردن، رغم ما يحيط به من تحديات إقليمية ومتغيرات متسارعة، يمتلك من صلابة مؤسساته ووعي شعبه وثبات قيادته ما يؤهله لمواجهة مختلف الظروف بثقة وحكمة. ولم يكن حديث جلالة الملك عن التحديات الأمنية مجرد موقف تجاه حدث عابر، بل تأكيدًا حاسمًا على أن أمن الوطن ووحدته خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن الدولة التي تصون استقرارها وتحمي مجتمعها لا تتهاون مع كل من يحاول العبث بأمنها أو النيل من نسيجها الوطني. وقد جاءت إشارة جلالته إلى شهداء الكرك، بقوله: «إن دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا»، لتجسد عمق الوفاء لتضحيات أبناء الوطن، وتؤكد أن دماء الشهداء ليست ذكرى تستحضر في المناسبات، بل أمانة وطنية ومسؤولية مستمرة في حماية الأردن وصون أمنه وكرامته.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرسالة الملكية المتعلقة بالجبهة الداخلية، التي لا تقوم على الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تستند إلى وعي المجتمع، وتماسك أبنائه، وثقتهم بمؤسسات دولتهم، وتمسكهم بقيم المواطنة والانتماء. فالأردن، كما أكد جلالة الملك، تزداد قوته حين تشتد الخطوب، لأن وحدته الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل حقيقة راسخة تتجلى في وعي الأردنيين وحكمتهم وإخلاصهم ووفائهم لوطنهم. ومن هنا، فإن مسؤولية حماية هذه الوحدة تقع على عاتق الجميع، من خلال الكلمة المسؤولة، والموقف الوطني الواعي، ورفض خطاب الكراهية والتطرف والفتنة، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.

ولم يغفل الخطاب البعد العربي والقومي في الرؤية الملكية، إذ جدد جلالة الملك التأكيد على ثبات الأردن في الدفاع عن قضايا الأمة، وعلى أن القضية الفلسطينية ستبقى في صدارة الموقف الأردني، باعتبارها قضية حق لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها بوصفها شأنًا سياسيًا مؤقتًا. وكان تأكيد جلالته أنه لا سبيل إلى الأمن والاستقرار في المنطقة دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، رسالة سياسية واضحة للمجتمع الدولي بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل الحقوق، ولا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار المعاناة الإنسانية والانتهاكات والاعتداءات. وقد وضع جلالته استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية والقدس، والأطماع التوسعية الإسرائيلية، في سياقها الحقيقي بوصفها تهديدًا لمستقبل المنطقة وآمال شعوبها. وهي مواقف تجسد ثبات السياسة الأردنية، ووضوح رؤيتها في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والتمسك بالثوابت العربية، بعيدًا عن المواقف المتغيرة أو الحسابات الآنية.

ومن أبرز ما يستوقف المتأمل في الخطاب، تأكيد جلالة الملك على مكانة مجلس الأمة ودوره الدستوري في الحياة السياسية، باعتباره ركنًا أساسيًا في منظومة الدولة، ومؤسسة تمثل الإرادة الشعبية وتسهم في حماية المصلحة العامة والرقابة على الأداء الحكومي. ولم يقتصر التوجيه الملكي على الدور التشريعي والرقابي للمجلس، بل امتد إلى طبيعة الممارسة السياسية ذاتها، حين أكد جلالته أن اختلاف الرأي يشكل مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية. وهذه رسالة بالغة الأهمية في ترسيخ ثقافة الحوار المسؤول، وتأكيد أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام، وأن تعدد الآراء لا ينتقص من وحدة الوطن، بل يعزز قدرته على إنتاج قرارات أكثر نضجًا وفاعلية، متى احتكم الجميع إلى الدستور والمصلحة الوطنية.

كما أن تأكيد جلالته أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن مجلس الأمة من قوانين فحسب، بل إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب، يحمل دلالة عميقة تتجاوز المؤسسة التشريعية إلى مختلف مؤسسات الدولة؛ فالمؤسسات لا تُقاس بمواقعها وصلاحياتها فقط، وإنما بما تقدمه من نموذج في المسؤولية والانضباط والاحترام وخدمة المجتمع. فالسلوك العام للمسؤول، وطبيعة خطابه، وطريقة تعامله مع قضايا المواطنين، جميعها عناصر تؤثر في ثقة المجتمع بالمؤسسات، وتحدد مستوى حضورها الحقيقي في حياة الناس.

ولعل من أكثر الرسائل وضوحًا في خطاب العرش السامي، وضع مصلحة الأردني في صلب كل قرار لا على هامشه. فهذه العبارة تختصر جوهر الإدارة العامة الناجحة، وتحدد المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به السياسات والبرامج والمشروعات؛ إذ لا تكتمل قيمة أي إنجاز ما لم ينعكس أثره على حياة المواطن، وما لم يسهم في تحسين معيشته، وتوسيع فرصه، والارتقاء بتعليمه، وتطوير خدماته الصحية، وتعزيز مستقبل أبنائه. فالتنمية الحقيقية ليست أرقامًا تُعلن أو خططًا تُكتب، وإنما نتائج ملموسة يشعر بها الإنسان في تفاصيل حياته اليومية. ومن هنا، فإن نجاح المؤسسات لا ينبغي أن يُقاس بحجم الأنشطة والإجراءات التي تنفذها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير إيجابي ومستدام في الواقع الذي تعمل فيه.

وفي الإطار الاقتصادي، جاء تأكيد جلالة الملك على مواصلة مسيرة التحديث الاقتصادي والتسريع في إنجاز المشاريع الكبرى ليعكس إدراكًا لأهمية الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، ومن الطموحات إلى النتائج. فالمشاريع الاستراتيجية ليست مجرد مبادرات تنموية منفصلة، بل أدوات لتعزيز منعة الاقتصاد الوطني، وتحفيز الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتوسيع آفاق النمو، وترسيخ قدرة الأردن على التعامل مع التحولات الاقتصادية والإقليمية. وتكمن أهمية هذا التوجيه في ضرورة تكامل الجهود الحكومية والمؤسسية، وتذليل العقبات أمام التنفيذ، والالتزام بالجداول الزمنية، ومتابعة الأثر الفعلي للمشروعات، حتى تتحول الخطط إلى قيمة مضافة يشعر بها المواطن وتستفيد منها الدولة.

أما الأمن المائي، فقد منحه جلالة الملك مساحة لافتة في خطابه، حين أكد بوضوح أن المياه أولوية وطنية لا مجال للمساومة أو المهادنة فيها، وأن حماية موارد الوطن تتطلب الاستمرار في تنفيذ مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية تضمن استدامة الموارد وحقوق الأجيال القادمة. وهذا التأكيد يعكس إدراكًا استراتيجيًا لطبيعة التحدي المائي الذي يواجه الأردن، ويضع القضية في إطارها الوطني الشامل، باعتبارها مرتبطة بالأمن والاستقرار والتنمية وجودة الحياة. فالمياه ليست مجرد خدمة أساسية، بل مورد استراتيجي يتطلب إدارة رشيدة، وتخطيطًا بعيد المدى، وتعاونًا بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وثقافة وطنية تقوم على ترشيد الاستهلاك والمحافظة على الموارد.

وفي الجانب الإداري والمؤسسي، جاءت الرسالة الملكية المتعلقة بالوظيفة العامة وسيادة القانون واضحة وحاسمة، حين أكد جلالته أنه لا مكان لمن يتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها تشريفًا يرفعه عن العمل أو خدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسمًا ولا منصبًا ولا نفوذًا. وهذه المضامين تمثل أساسًا متقدمًا في ترسيخ الإدارة الرشيدة، وتؤكد أن المسؤولية العامة تكليف يستوجب العمل والنزاهة والانضباط والمساءلة، وليست امتيازًا شخصيًا أو سلطة منفصلة عن خدمة المجتمع. فالمسؤول الحقيقي هو من يدرك أن موقعه الإداري يمنحه واجبًا أكبر تجاه الناس، وأن قيمة منصبه تتحدد بما يقدمه من إنجاز، وما يحققه من عدالة، وما يتركه من أثر إيجابي في المؤسسة والمجتمع.

ومن هذا المنطلق، فإن تطوير الإدارة العامة يتطلب ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة معيارًا للأداء، والنزاهة أساسًا للممارسة، والشفافية نهجًا في العمل، والمساءلة وسيلة للتصويب والتحسين. كما يستدعي الانتقال من الإدارة القائمة على متابعة الإجراءات وحدها إلى إدارة تقيس النتائج والأثر، وتستثمر الطاقات البشرية، وتمنح الكفاءات فرصتها، وتتعامل مع الوقت والموارد باعتبارهما أمانة وطنية. فالدولة القوية لا تحتاج إلى مؤسسات تؤدي واجباتها بالحد الأدنى، بل إلى مؤسسات مبادرة وفاعلة، قادرة على تحويل التوجيهات إلى برامج عملية وإنجازات مستدامة.

ومن موقعنا في الميدان التربوي والإداري، تكتسب هذه الرسائل أهمية خاصة؛ فالتعليم ليس قطاعًا خدميًا منفصلًا عن مشروع الدولة، بل هو أحد أهم المسارات التي تتشكل من خلالها شخصية الإنسان، وتتعمق قيم المواطنة والانتماء، وتُبنى قدرات الأجيال على المشاركة في التنمية وصناعة المستقبل. وإذا كان جلالة الملك قد أكد أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في تعليمه ومستقبل أبنائه، فإن ذلك يضع أمام المؤسسات التربوية مسؤولية مضاعفة في الارتقاء بجودة التعليم، وتحسين البيئة المدرسية، وتمكين المعلمين، وتطوير الإدارة التربوية، وتعزيز قيم الانضباط والاحترام والعمل والمسؤولية. فالمدرسة ليست مكانًا لتلقي المعرفة فحسب، بل فضاء وطني لبناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتنمية التفكير، وإعداد جيل يؤمن بأن خدمة الوطن مسؤولية وممارسة يومية.

وتبعًا لذلك، فإن مسؤوليتنا في المؤسسات التعليمية والإدارية تتمثل في ترجمة المعاني الوطنية التي حملها الخطاب إلى سلوك مؤسسي وممارسات ملموسة؛ من خلال التخطيط الفاعل، وحسن إدارة الموارد، وتكافؤ الفرص، والعدالة في التعامل، والمتابعة المستمرة، وتقييم النتائج. كما أن الارتقاء بالأداء التربوي لا يتحقق بكثرة المبادرات أو تعدد الأنشطة وحدها، بل بقدرتها على إحداث أثر حقيقي في تعلم الطلبة، وتنمية قدراتهم، وتعزيز ثقة المجتمع بالمدرسة ومؤسسات التعليم. وهذا ما يجعل من كل موقع إداري وتربوي مساحة للمسؤولية الوطنية، مهما اختلف حجمه أو موقعه في الهيكل المؤسسي.

وفي جانب لا يقل أهمية، أعاد الخطاب الملكي التأكيد على قيمة الكلمة المسؤولة وأدب الاختلاف، حين دعا جلالة الملك إلى صون كرامة الكلمة، واحترام الرأي المخلص والمسؤول، والتعامل مع الشأن العام باعتباره حقًا مشروعًا يصونه الدستور ويحميه. وهذه رسالة ذات أبعاد وطنية وإعلامية ومجتمعية مهمة، خصوصًا في ظل تسارع تدفق المعلومات وتعدد منصات التواصل، حيث تزداد الحاجة إلى خطاب يحترم الحقيقة، ويتجنب الإساءة والتضليل، ويعزز الحوار بدلًا من الاستقطاب. فحرية الرأي مسؤولية، والاختلاف ممارسة حضارية، والكلمة حين تنطلق من الحرص على الوطن تصبح أداة بناء وإصلاح، لا وسيلة للإساءة أو إثارة الانقسام. ومن هنا، فإن الإعلام المهني مطالب بأن يكون دقيقًا في نقل المعلومة، مسؤولًا في معالجة القضايا، منصفًا في عرض الجهود، وملتزمًا بأخلاقيات المهنة، بما يعزز وعي المجتمع وثقته بمؤسساته.

إن القراءة المتأنية لخطاب العرش السامي تكشف عن منظومة مترابطة من الأولويات الوطنية؛ تبدأ بحماية أمن الأردن ووحدته، وتمتد إلى ثبات مواقفه القومية، وتعزيز الحياة السياسية، ووضع المواطن في مركز السياسات العامة، وتسريع التنمية الاقتصادية، وصون الأمن المائي، وترسيخ سيادة القانون، والارتقاء بأداء المؤسسات. وهي أولويات لا يمكن التعامل معها بوصفها ملفات منفصلة، بل باعتبارها مكونات متكاملة لقوة الدولة ومنعتها وقدرتها على الاستمرار والتقدم. فالأمن يوفر بيئة الاستقرار، والاستقرار يهيئ فرص التنمية، والتنمية تعزز ثقة المواطن، وسيادة القانون تحمي الحقوق، والمؤسسات الفاعلة تحول الرؤية الوطنية إلى واقع ملموس.

إن الرسالة الأعمق في خطاب جلالة الملك أن قوة الأردن لا تُختبر فقط في قدرته على مواجهة الأزمات، بل كذلك في قدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والتوجيهات إلى عمل، والموارد إلى إنجاز، والثقة إلى مسؤولية. فالولاء الحقيقي للوطن لا يقتصر على التعبير عن المحبة والانتماء، بل يتجسد في الإخلاص في أداء الواجب، واحترام القانون، وصون المال العام، وخدمة المواطن، والقيام بالمسؤوليات دون انتظار إشادة أو مقابل. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي من الجميع مراجعة الأداء، وتوحيد الجهود، وتعزيز روح المبادرة، والابتعاد عن الاكتفاء بالشعارات، لأن قيمة الخطاب الوطني تقاس بما يتركه من أثر في السياسات والممارسات والنتائج.

لقد وضع جلالة الملك في خطابه معالم واضحة للمسؤولية الوطنية، وأكد أن الأردن يستند إلى قيادة ثابتة، وشعب واعٍ، ومؤسسات مطالبة بأن تكون على مستوى الثقة والتحديات. وهي رسالة تستدعي منا جميعًا أن نكون شركاء في البناء، وأن ندرك أن مستقبل الوطن لا تصنعه الكلمات وحدها، بل تصنعه الإرادة الصادقة والعمل المؤسسي المنظم والإنجاز الذي يلمسه المواطن. فالأردن الذي نطمح إليه هو الأردن الذي تتقدم فيه المصلحة العامة، وتصان فيه الحقوق، وتحترم فيه الكفاءات، وتُصان فيه كرامة الإنسان، وتتكامل فيه جهود مؤسساته من أجل مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.

حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وأدام عليه الصحة والعافية، وحفظ سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، ووفّق قيادتنا الهاشمية لما فيه خير الوطن والأمة، وأدام على الأردن نعمة الأمن والوحدة والاستقرار، ليبقى وطنًا عصيًا على التحديات، راسخًا في مبادئه، ماضيًا بثقة نحو المستقبل، وفاءً لتضحيات أبنائه، وتحقيقًا لطموحات أجياله.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير