facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : عمان.. المدينة التي عمرها أقدم من التاريخ نفسه

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : عمان.. المدينة التي عمرها أقدم من التاريخ نفسه
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة 

قبل أن تكون عمان عاصمة، كانت فكرة.
قبل أن تكون اسماً على خريطة، كانت جبلاً يطل على سيل، وكان السيل يكفي ليبدأ الإنسان حياته.

هذه هي قصة عمان، القصة التي لا تبدأ من 1921، بل تبدأ من قبل أن يكتب الإنسان التاريخ.

الفصل الأول: الجذر - جبل القلعة.. البطل الأول
المقوّم: الفضاء الأيقوني

المكان ليس خلفية، هو البطل. وجبل القلعة هو البطل الأقدم.
هنا بدأ كل شيء.

1. عمان قبل التاريخ: 9000 سنة من الوجود

قبل العمونيين، وقبل الرومان، وقبل أي اسم، كان هناك إنسان عين غزال.
على بعد 5 كيلو فقط من القلعة، في عين غزال، اكتشف العالم أقدم قرية زراعية منظمة في تاريخ البشرية، عمرها 9000 سنة. وجدوا فيها أول تماثيل بشرية صنعها الإنسان بيديه، تماثيل عين غزال الشهيرة، بعيونها المفتوحة التي تنظر إليك من 7000 سنة قبل الميلاد. ماذا يعني هذا؟ يعني أن سهول عمان كانت أول مكان في العالم قرر فيه الإنسان أن يترك الترحال ويبني بيتاً ويزرع قمحاً.

لماذا اختار عمان؟ لأن عمان كانت جنة. سيل عمان كان نهراً جارياً طول السنة، وجبالها السبعة كانت تحميه، وغابات البلوط كانت تملأ وادي عبدون وصويلح. الإنسان الأول وجد هنا الماء والخشب والأمان، فقال: هنا أستقر.

2. الحضارة الأولى: العمونيون.. العرب الأوائل وأصحاب الاسم

حوالي 1300 قبل الميلاد، جاء العرب الأوائل، العمونيون، وهم قبائل سامية عربية من نسل لوط. لم يكونوا بدواً عابرين، كانوا مملكة قوية لها جيش ولها ملك ولها عاصمة.

عاصمتهم كانت على جبل القلعة، وسموها "ربة عمون" أي دار المُلك، دار العاصمة. ومن اسمهم "عمون" جاء اسم "عمان" الذي نحمله اليوم. هذا الاسم ليس يونانياً ولا رومانياً، هذا اسم عربي أصيل محفور على حجر، عمره 3200 سنة، مذكور في التوراة وفي مسلة ميشع ملك مؤاب.

العمونيون بنوا أسوار القلعة الأولى، وحفروا آبارها، ونقشوا اسمهم عليها. كانوا يلبسون مثلنا، يتكلمون لهجة عربية قديمة قريبة منا، ويعبدون الإله "ميلكوم". كانوا أهل البلقاء الحقيقيين.

بعدهم، مرت على عمان كل إمبراطوريات العالم القديم، لكن لم يمحوها أحد: جاء الآشوريون واحتلوها، ثم البابليون، ثم الفرس، وكلهم أبقوا عليها لأنها كانت مدينة محصنة لا يمكن تجاوزها.

3. الحضارة الثانية: اليونان والرومان.. فيلادلفيا مدينة الحب الأخوي

عندما جاء الإسكندر الأكبر، وجاء بعده بطليموس الثاني فيلادلفوس سنة 285 قبل الميلاد، وقع في حب عمان. أعاد بناءها على الطراز اليوناني وسماها "فيلادلفيا" أي مدينة الحب الأخوي، تيمناً بأخيه.

لكن الرومان هم من جعلوها إمبراطورية. سنة 63 قبل الميلاد، جعلوها واحدة من مدن الديكابولس العشر، أهم عشر مدن رومانية في الشرق. لماذا عمان؟ لأن موقعها عبقري.

ماذا بنى الرومان؟ بنوا كل شيء تراه اليوم في وسط البلد: بنوا معبد هرقل الضخم على القلعة، بأعمدته التي طولها 13 متراً، لتقول لكل القوافل: روما هنا. وبنوا المدرج الروماني الكبير الذي يسع 6000 متفرج، وهو أعجوبة هندسية محفورة في الجبل، صوته يصل إلى آخر صف بدون ميكروفون. وبنوا المدرج الصغير، وشارع الأعمدة، والحمامات، والأسواق.

عمان في زمن الرومان كان تعدادها 30 ألف نسمة، وكانت أغنى من عمان اليوم.

4. الحضارة الثالثة: العرب الغساسنة والبيزنطيون.. العودة إلى الجذر

بعد الرومان، جاء البيزنطيون، وبنوا كنائسهم على القلعة، وآثار كنيستهم البيزنطية ما زالت هناك بفسيفسائها.

ثم جاء العرب الغساسنة، وهم عرب من اليمن، ملوك البادية، وجعلوا من عمان حليفة لهم. عادت عمان إلى عروبتها مرة أخرى.

5. الحضارة الرابعة: الأمويون.. القصر فوق القصر

عندما جاء العرب المسلمون في معركة اليرموك، لم يجدوا مدينة غريبة، وجدوا أبناء عمومتهم. وفي العهد الأموي، بلغت عمان ذروتها الثانية.

لماذا بنى الأمويون قصرهم الشهير فوق جبل القلعة بالذات؟ لماذا لم يبنوه في الصحراء؟ لأن القلعة هي الشرعية. من يحكم القلعة يحكم الأردن. فبنوا القصر الأموي بقبته الرائعة، وبنوا مسجده، وبركة الماء، والسوق، وجعلوا عمان مركزاً لصناعة الفسيفساء والفخار.

ثم ضربها زلزال 749 م المدمر، فهجرت قصورها الحجرية، لكن...

6. الحضارة الخامسة التي لم تنقطع: حضارة العشائر العربية.. الحارس الأمين

وهنا كذبة كتب التاريخ التي تقول "هجرت عمان وأصبحت خراباً". عمان لم تهجر يوماً واحداً.

من بقي يحرسها؟ بقيت عشائر البلقاء العربية: العبادي الذي كان يسميها "مراح معزى"، والعدوان شيوخ البلقاء، والدعجة والعجارمة وبني حسن وبني صخر والحديد. كانوا يزرعون سهولها في شفا بدران، ويرعون سيلها، ويحافظون على عيون مائها: عين راس العين، وعين الحدادة، وعين اللوزة.

عمان بقيت "ديرة" لهم، محمية عشائرية. لذلك عندما جاء الشركس سنة 1878 مهاجرين من روسيا، وجدوا شيوخ البلقاء بانتظارهم، وقاسموهم الأرض والماء بعقد عشائري موثق، وهذا هو سر تسامح عمان.

القلعة ليست أثراً، هي الطابق الأرضي لعمان. كل عمان الجديدة هي مجرد شرفات تطل على القلعة وتستمد شرعيتها منها. من هنا ترى التناقض الأبدي: مدرج روماني عمره 2000 سنة، ووراءه أبراج عبدون الزجاجية. هذا ليس تناقضاً، هذا نسب متصل لم ينقطع.

عمان لم يؤسسها أحد.. عمان وجدت، فتوافق الناس عليها.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير