facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : : العصر البيزنطي - مدينة الكنائس 324 - 635

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : : العصر البيزنطي  مدينة الكنائس 324  635
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة 


: كيف تموت مدينة وهي تصلي؟

هذا هو الفصل الذي لا يحب المرشدون السياحيون أن يشرحوه للسياح، ولا تحب وزارة السياحة أن تكتبه على اللوحات.

لأن السياح جاؤوا ليروا جرش الرومانية.. مدينة زيوس والمسرح وشارع الأعمدة والخمر وسباق العربات. مدينة صاخبة تحب الحياة.

لكننا سنأخذهم إلى جرش الأخرى. جرش التي ماتت وهي ما زالت واقفة.

تخيل مدينة عمرها 400 سنة من القوة والمال والتجارة، فجأة تقرر أن تتوب. فجأة تغلق المسارح، تكسر تماثيل الآلهة، وتغطي لوحاتها الجميلة بطبقة من الجير، وتبني 18 كنيسة فوق بعضها البعض.

هذا ما حدث بين سنة 324 و 635 م. 311 سنة هي الأخطر في تاريخ جرش. لم تكن حرباً، كانت تحولاً روحياً قتل المدينة ببطء.

جرش الرومانية كانت وثنية لكنها كانت حية. تاجر يربح، مهندس يبني، امرأة ترقص في المسرح. جرش البيزنطية أصبحت مسيحية لكنها أصبحت هادئة أكثر من اللازم. مدينة لا تنتج، مدينة تصلي وتتبرع وتنتظر الجنة وتعتذر عن ماضيها.

وهنا الدرس الذي يهمنا نحن أبناء جرش اليوم: الحضارة لا تموت دائماً بسيف عدو من الخارج، أحياناً تموت عندما تغير عقلها من الداخل. عندما تترك التجارة وتبدأ تعيش على التبرعات. عندما تترك المسرح وتبني الكنيسة. عندما تستبدل عقلية التاجر بعقلية الراهب.

في هذا الفصل سنرى كيف ماتت أقوى مدينة في الديكابولس ليس لأنها هُزمت، بل لأنها شبعت وتابت ونسيت كيف تربح.

1. تحول جرش للمسيحية - كيف تغير دين إمبراطورية بمرسوم؟

في سنة 324 م، الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير قال: خلاص، الإمبراطورية أصبحت مسيحية.

قرار من رجل واحد في القسطنطينية، غير مصير مدينة صغيرة في جبال جلعاد.

في البداية أهل جرش قاوموا. كيف تترك زيوس وأرتميس اللذين حميا المدينة 400 سنة؟ لكن المسيحية كانت أذكى. لم تقل لهم انسوا آلهتكم، قالت لهم: آلهتكم كانت تمهيداً للمسيح.

بدأت تدخل بهدوء. أول كنيسة بنيت في جرش كانت غرفة صغيرة سرية في بيت تاجر سنة 350 م. بعد 50 سنة، أصبح أسقف جرش يحضر مجمع الكنائس العالمي. المدينة كلها تعمدت.

تحول جرش لم يكن دينياً فقط، كان سياسياً. إذا أردت أن تبقى قريباً من روما، يجب أن تكون مسيحياً. وإذا أردت وظيفة في الإدارة، يجب أن تكون مسيحياً.

2. بناء 18 كنيسة فوق المعابد الوثنية - الانتصار بالحجر

وهنا ذكاء المسيحيين وانتقامهم الناعم.

لم يهدموا المعابد الوثنية، بنوا كنائسهم فوقها مباشرة.

لماذا؟ رسالة واضحة: ديننا فوق دينكم.

معبد أرتميس الضخم، الذي كان يذبح فيه الثيران، أصبح تحته معبد صغير ثم كنيسة. معبد زيوس أصبح بجانبه كنيسة القديس يوحنا. شارع الأعمدة الذي كان يمتلئ بتماثيل الآلهة، أصبح يمتلئ بالصلبان.

حتى اليوم، إذا ذهبت إلى جرش، ستجد 18 كنيسة مكتشفة، ويقول علماء الآثار أن هناك 5 أخرى تحت التراب. مدينة عدد سكانها 15 ألفاً فيها 18 كنيسة! يعني كنيسة لكل 800 شخص. هذا جنون ديني.

لم يكونوا يبنون كنائس لأنهم محتاجون مكاناً للصلاة، كانوا يبنون كنائس ليثبتوا أنهم موجودون، وأن الوثنية انتهت.

3. الفسيفساء والفن البيزنطي - كنيسة القديس ثيودوروس

الرومان كانوا يبنون بالحجر الضخم. البيزنطيون كانوا يبنون باللون.

تركوا الأعمدة الضخمة وبدأوا يصنعون فسيفساء. ملايين الحجارة الصغيرة الملونة، حمراء وزرقاء وذهبية، يصنعون منها لوحات للمسيح والعذراء والقديسين.

أجمل مثال هو كنيسة القديس ثيودوروس، التي بنيت سنة 496 م.

هذه الكنيسة ليست كبيرة، لكنها كانت بمثابة الانستغرام في ذلك الوقت. أرضيتها كلها فسيفساء تحكي قصة المدينة: غزلان، أسود، نهر الأردن، ومدن فلسطين. ومنقوش عليها باليونانية: "تقدمة من ثيودوروس المحب للمسيح". يعني مثل اليوم: "تبرع من فاعل خير".

هذه الكنيسة وحدها تخبرك أن جرش البيزنطية كانت غنية جداً بالفن، لكنها لم تعد غنية بالتجارة. أصبحت غنية بالتبرعات الدينية.

#### 4. لماذا بدأ انحدار جرش في هذا العصر؟ - بداية الموت البطيء

هنا السؤال الذي لا يسأله المرشد السياحي: إذا كانت جرش مسيحية وغنية وتبني 18 كنيسة، لماذا انحدرت؟

الجواب: لأربعة أسباب قتلت المدينة بهدوء:

أولاً: التجارة هربت. طريق تراجان الروماني الذي جعل جرش غنية، لم يعد مهماً. التجارة العالمية أصبحت بحرية عن طريق البحر الأحمر، لا برية عبر جبال جلعاد. جرش أصبحت مدينة على طريق فرعي، لا رئيسي.

ثانياً: الزلازل. زلزال سنة 502 م وزلزال سنة 551 م دمروا نصف المدينة. الرومان كانوا سيعيدون البناء فوراً لأنها مدينة تجارية. البيزنطيون كانوا رهباناً، قالوا: هذه علامة من الله، لا داعي لإعادة بناء الهيبودروم والمسرح. فتركوا المباني الكبيرة خراباً.

ثالثاً: الطاعون والفرس. طاعون جستنيان سنة 542 م قتل ثلث سكان الشرق الأوسط. ثم جاء الفرس الساسانيون سنة 614 م واحتلوا جرش وسرقوا كنائسها. المدينة لم تعد آمنة.

رابعاً والأخطر: تغير عقلية الناس. الروماني كان يفكر: كيف أجلب الماء وأبني سوقاً وأربح؟ البيزنطي كان يفكر: كيف أبني كنيسة وأضمن الجنة؟ تحولت المدينة من مدينة تنتج إلى مدينة تتعبد. من مدينة تاجر إلى مدينة راهب.

الراهب لا يبني إمبراطورية، الراهب ينتظر نهاية العالم.

وهكذا، عندما جاء الصحابة المسلمون سنة 635 م وفتحوا جرش، لم يجدوا مدينة رومانية قوية. وجدوا مدينة مسيحية متعبة، مليئة بالكنائس، وقليل من السكان، وأبوابها مفتوحة لمن يأتي ليخلصها من تعبها.

تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير