facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : قبل زيوس: جرش الكنعانية - التاريخ المطمور تحت الرخام

الصحفي رفاد العياصرة يكتب : قبل زيوس: جرش الكنعانية  التاريخ المطمور تحت الرخام
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة

هذا هو الفصل المنسي من تاريخ جرش، الفصل الذي سبق الأعمدة الرخامية بألف وخمسمائة سنة.

كل من يزور جرش اليوم يرى جراسا، المدينة الإغريقية الرومانية، بشوارعها المرصوفة وأعمدتها الكورنثية ومعابدها لزيوس وأرتميس. ويظن أن تاريخها بدأ عندما وضع الإسكندر المقدوني قدمه هنا، أو عندما بناها الرومان. لكن هذا وهم كبير. تحت كل حجر روماني في جرش، هناك طبقة أقدم، وتحت تلك الطبقة طبقة أقدم منها.

قبل أن تصبح جراسا الإغريقية، وقبل أن يكتب اسمها باليونانية، كانت جرش جزءاً أصيلاً من جلعاد، قلب الممالك الكنعانية ثم مملكة عمون. لم تكن أرضاً فارغة بلا أهل، بل كانت إقليماً عامراً مأهولاً، له ملوكه وآلهته ولغته، يعيش على زراعة القمح والزيتون ويرعى قطعانه بين غابات السنديان والبلوط. هذا الفصل هو محاولة لردم ألف وخمسمائة سنة من النسيان، لنعود بجرش إلى جذورها الأولى، إلى زمن لم يكن فيه لا زيوس ولا قيصر، بل إيل وبعل وميلكوم.

### 1. جرش في زمن الممالك الكنعانية
عندما نتحدث عن الكنعانيين، نحن لا نتحدث عن شعب جاء من الخارج، بل عن أهل البلاد الأصليين. بعد انتهاء العصر البرونزي المبكر، حوالي 2500 ق.م، توحدت قرى التلال في ممالك صغيرة متحضرة تسمى ممالك المدن الكنعانية.

جرش في هذا الوقت لم تكن مدينة واحدة، بل كانت مركز إقليم زراعي قوي يسمى في النصوص المصرية القديمة بلاد جاوراشا.

 المصريون في رسائل تل العمارنة يذكرونها كمنطقة كثيرة الأخشاب والزيت والعنب، وتدفع الجزية لفرعون.

أثرياً، وجدنا هذا العصر تحت جرش الرومانية مباشرة. في حفريات معبد أرتميس وساحة الندوة، وجدت طبقة سميكة من الفخار الكنعاني المميز، الفخار المصقول الأحمر والأسود، ووجدت مقابر محفورة في الصخر في جبال سوف وقفقفا، فيها جرار كنعانية مدفون فيها الموتى بوضعية القرفصاء، ومعهم أسلحتهم البرونزية وتمائمهم من العقيق. هذا يعني أن جرش كانت مدينة كنعانية بامتياز، تحكمها عائلة مالكة محلية وتتبع للإله الأكبر إيل.

### 2. علاقة جرش بمملكة عمون وجلعاد
حوالي سنة 1200 ق.م، انهار العالم القديم، وسقطت الممالك الكنعانية، وهنا ظهرت الممالك الجديدة: عمون ومؤاب وأدوم.
أين كانت جرش؟ كانت على الحدود تماماً.
التوراة والجغرافيا التاريخية تقسم المنطقة بوضوح: جنوب نهر الزرقاء هو مملكة عمون وعاصمتها ربة عمون - عمان اليوم. وشمال نهر الزرقاء هو جلعاد، وهي أرض قبلية مستقلة، كثيفة الغابات.
جرش تقع شمال الزرقاء، إذن هي قلب جلعاد، لكنها كانت على تماس مباشر وقوي جداً مع عمون. العلاقة كانت مثل علاقة قرية كبيرة بالعاصمة. عمون كانت المملكة العسكرية القوية، وجلعاد - وجرش جزء منها - كانت سلة غذائها.
عمون كانت تحمي طرق التجارة التي تمر بجرش، وجرش كانت تزود عمون بالقمح والزيت والخشب والرجال المقاتلين. لذلك نجد في جرش وحولها في دير الليات وساكب وكفر خل، مئات من تماثيل العمونيين الصغيرة، تماثيل لملك عمون بغطاء رأسه المميز، وأختام ملكية مكتوب عليها بأحرف عمونية. ونجد أيضاً أن أسوار القرى الجلعادية في جرش في العصر الحديدي، حوالي 900 ق.م، مبنية بنفس طريقة أسوار عمان، حجارة ضخمة بدون مونة.
عندما حارب بني إسرائيل عمون، ذكرت كتبهم أنهم وصلوا إلى "مدن جلعاد الكثيرة" وهذا وصف دقيق لجرش، التي كانت حينها عبارة عن عشرات القرى المحصنة فوق كل تلة.

### 3. اللغة والديانة قبل الإغريق
قبل أن تسمع جرش كلمة يونانية واحدة، كانت لغتها هي الكنعانية المتأخرة بلهجة عمونية جلعادية. وهي لغة سامية شمالية غربية، قريبة جداً من العربية والعبرية القديمة. نقش عجلون الشهير الذي وجد قرب جرش مكتوب بها: لغة تقول "ملك" و "بيت" و "بن" تماماً مثلنا اليوم. أهل جرش لم يكونوا يتكلمون لغة غريبة، بل لهجة قديمة من لهجاتنا.
أما الديانة، فكانت ديانة الأرض والخصب. لم يكن هناك زيوس.
كان الإله الأكبر هو إيل، شيخ الآلهة، ويسكن في جبال سوف. وابنه بعل، إله المطر والعاصفة، الذي كانوا يصلون له في كل شتاء لينزل المطر على سهول جرش. والإلهة الأم كانت عشتاروت / عشيرة، إلهة الخصب والجمال، ووجدنا لها مئات التماثيل الفخارية في جرش، امرأة تحمل صدرها رمزاً للعطاء. وكان هناك كموش وميلكوم، إلهي عمون وجلعاد، إلها الحرب الذين كانوا يذبحون لهم قبل كل معركة.
وعندما جاء الإسكندر المقدوني سنة 332 ق.م، لم يجد أرضاً فارغة ليبني عليها جراسا، بل وجد شعباً يتكلم لغة سامية، ويعبد بعل وعشتاروت، ويسكن قرى عمرها ألفا سنة. فما فعله الإغريق ليس أنهم أسسوا جرش، بل أنهم فقط غيروا أسماء الآلهة، فأصبح بعل هو زيوس، وأصبحت عشتاروت هي أرتميس.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير