مكرم الطراونة يكتب.. جرش... حين يصبح الفن رسالة أمن وثقة
بقلم: مكرم أحمد الطراونة
وسط شرق أوسط يضج بالحروب، وتتزاحم فيه صور الدمار والنزوح والخوف، تبدو القدرة على تنظيم مهرجان ثقافي دولي بحجم مهرجان جرش للثقافة والفنون حدثا يتجاوز حدود النشاط الفني، ليصبح رسالة سياسية وحضارية وإنسانية في آن واحد.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه دول كثيرة بإدارة الأزمات وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار، يقدم الأردن صورة مختلفة كدولة تعرف كيف تحمي حدودها، وتدير أمنها، وفي الوقت نفسه تواصل الاستثمار في الثقافة بوصفها إحدى ركائز القوة الوطنية.
المشهد الأردني في هذه الأيام يحمل مفارقة لافتة، فمن جهة، يقف نسور سلاح الجو في حالة جاهزية دائمة لاعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ، ويحرس الجنود حدودا طويلة ومعقدة لمنع تسلل المخدرات والأسلحة والعناصر الإرهابية، ومن جهة أخرى تمتلئ المدينة الأثرية في جرش بالموسيقا والمسرح والشعر والفنون البصرية والندوات الفكرية، ويجتمع آلاف الزوار من الأردن والعالم تحت أعمدة مدينة عتيقة للتعبير عن حبهم للحياة.
الانتماء للمكان ويجعل السكان شركاء في نجاح الحدث.
مهرجان جرش يبعث برسالة واضحة وعميقة إلى العالم كله، تقول إنه بينما تحاول الحروب أن تجعل الشرق الأوسط عنوانا دائما للعنف، يصر الأردن على أن يكون عنوانا آخر للثقافة والانفتاح والاستقرار.
وبينما تغلق بعض المدن مسارحها وقاعاتها تحت وطأة الأزمات، تفتح جرش أبوابها للفنانين والجمهور من مختلف الدول، مؤكدة أن الثقافة جزء أصيل من ممارسة الحياة.
الأردن يقول للعالم أيضا إن الاستثمار في الثقافة لا يتعارض مع الاستثمار في الأمن، والدولة الواثقة بنفسها لا تختار بين حماية حدودها وحماية فنونها، وإنما تقوم بالأمرين معا، والأمن يصون الوطن، بينما تمنحه الثقافة روحه وصورته وهويته.
إنه إعلان متجدد عن طبيعة الدولة الأردنية نفسها: دولة تحرس حدودها بعين، وتحرس ثقافتها بالعين الأخرى.















