facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الرقيبات تكتب : التوحد...عندما يعمل الدماغ بطريقة مختلفة،لا بطريقة خاطئة

الرقيبات تكتب : التوحد...عندما يعمل الدماغ بطريقة مختلفة،لا بطريقة خاطئة
بقلم - نرمين زكريا الرقيبات

التوحد... عندما يعمل الدماغ بطريقة مختلفة، لا بطريقة خاطئة

قد ينظر إليك طفلٌ ذو اضطراب طيف التوحد دون أن يبادل نظرتك، أو يكرر حركةً تبدو غير مألوفة، أو يفضل الجلوس بمفرده، فيظن البعض أنه لا يهتم بمن حوله أو أنه يعيش في عالمٍ منفصل. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فالتوحد ليس غيابًا للمشاعر، ولا نتيجة لأسلوب تربية خاطئ، بل هو اختلاف في طريقة التفاعل الاجتماعي وأنماط السلوك ومعالجة المعلومات، مما يجعل صاحبه يرى العالم ويتفاعل معه بطريقة تختلف عن الآخرين.

فمن هو الطفل ذو اضطراب طيف التوحد؟ وما أبرز خصائصه؟ ولماذا لا يزال هذا الاضطراب يثير الكثير من التساؤلات حول أسبابه؟

يُعد اضطراب طيف التوحد أحد الاضطرابات النمائية العصبية التي تظهر من خلال اختلافات في التفاعل الاجتماعي والتواصل، إضافة إلى أنماط السلوك والاهتمامات. وتختلف قدرات الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد من شخص إلى آخر، فقد يمتلك بعضهم قدرات عقلية عالية أو مستوى ذكاء أعلى من المتوسط، في حين قد يحتاج آخرون إلى دعم أكبر في بعض المهارات. ورغم التقدم العلمي الكبير في فهم هذا الاضطراب، فإن الأبحاث تؤكد أنه لا يوجد سبب واحد يفسر حدوثه، بل يرتبط بتفاعل معقد بين عوامل جينية وبيولوجية وبيئية تؤثر في تطور الجهاز العصبي ووظائفه. وفي المقابل، لا توجد أي أدلة علمية تثبت أن أسلوب التربية أو برود الوالدين يسببان التوحد.

وقد يواجه الطفل ذو اضطراب طيف التوحد صعوبة في التفاعل الاجتماعي والتواصل اللفظي وغير اللفظي، ويميل أحيانًا إلى الأنشطة الفردية أو إلى التركيز لفترات طويلة على اهتمامات محددة. وهذا لا يعني أنه يعيش في "عالم خاص" أو أنه يفتقر إلى المشاعر، بل إنه يعالج المعلومات ويتفاعل مع العالم بطريقة مختلفة عن أقرانه.

وتختلف خصائص اضطراب طيف التوحد من طفل إلى آخر، إلا أن هناك سمات قد تظهر لدى عدد منهم بدرجات متفاوتة. فعلى المستوى الاجتماعي، قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في تكوين الصداقات، أو فهم الإشارات الاجتماعية، أو التعبير عن مشاعرهم ومشاركتها بالطريقة المعتادة. كما قد يفضل بعضهم اللعب بمفرده، أو يجد صعوبة في التواصل البصري أو تبادل تعابير الوجه، مع التأكيد على أن هذه السمات تختلف من طفل إلى آخر.

أما على المستوى اللغوي، فقد يعاني بعض الأطفال تأخرًا في تطور اللغة، أو صعوبة في فهم المعاني المجردة، أو استخدام اللغة في الحوار الاجتماعي، في حين يمتلك آخرون مهارات لغوية جيدة، لكنهم قد يواجهون تحديات في استخدامها ضمن المواقف الاجتماعية.

وقد تظهر أيضًا اختلافات في المعالجة الحسية، إذ يكون بعض الأطفال أكثر حساسية أو أقل استجابة لبعض الأصوات أو اللمس أو الروائح أو الأضواء، كما قد لا يدركون بعض المخاطر بالطريقة المتوقعة مقارنة بأقرانهم.

ومن السمات الشائعة كذلك وجود سلوكيات أو حركات متكررة، مثل رفرفة اليدين، أو تحريك الأصابع، أو المشي على أطراف الأصابع، أو التعلق بروتين معين، والانزعاج عند حدوث تغييرات مفاجئة في البيئة أو تفاصيل الحياة اليومية. كما قد يفضل بعضهم ارتداء ملابس معينة، أو الجلوس في مكان محدد، أو تكرار كلمات أو عبارات لفترات طويلة، إذ تمنحهم هذه الأنماط شعورًا بالراحة والاستقرار.

ورغم التقدم الكبير الذي شهدته الأبحاث العلمية، فإن اضطراب طيف التوحد لا ينتج عن سبب واحد، بل عن تفاعل مجموعة من العوامل التي قد تؤثر في تطور الجهاز العصبي وطريقة معالجة المعلومات. وتشير الدراسات إلى وجود اختلافات في طريقة عمل الشبكات العصبية ومعالجة المعلومات لدى بعض الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، إلا أن طبيعة هذه الاختلافات ما زالت مجالًا للبحث العلمي. كما قد تسهم بعض العوامل التي تحدث قبل الولادة أو أثناءها أو بعدها، إضافة إلى بعض العوامل البيولوجية والبيئية، في زيادة احتمالية ظهور الاضطراب.

كما تشير الأبحاث إلى وجود اختلافات في عمل بعض النواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، إلى جانب اضطرابات في بعض العمليات الأيضية أو الإنزيمات التي قد تؤثر في وظائف الجهاز العصبي. وتلعب العوامل الجينية والوراثية أيضًا دورًا مهمًا، إذ ترتفع نسبة الإصابة بين التوائم المتطابقة مقارنة بغير المتطابقة، كما ربطت العديد من الدراسات بعض التغيرات الجينية والكروموسومية بزيادة احتمالية الإصابة، إلا أنها ليست السبب الوحيد، وإنما جزء من مجموعة عوامل تتداخل فيما بينها.

ولا تقتصر رحلة التعامل مع اضطراب طيف التوحد على البرامج العلاجية أو الجلسات التدريبية، بل تبدأ أولًا من الأسرة. فتقبّل 
الوالدين لتشخيص طفلهما، وتوفير بيئة آمنة وداعمة، والتعاون المستمر مع المختصين، كلها عوامل تسهم في تنمية مهارات الطفل وتحسين جودة حياته.

كما أن الاستعانة بمرشد أو أخصائي نفسي منذ المراحل الأولى تساعد الأسرة على فهم احتياجات الطفل، والتعامل معه بطريقة صحيحة، والتخفيف من الضغوط النفسية التي قد تواجهها. لذلك، لا ينبغي أن يكون الخوف من نظرة المجتمع أو الوصمة الاجتماعية سببًا في تأخير طلب المساعدة، فمراجعة المختصين ليست دليلًا على الضعف، بل خطوة مسؤولة نحو مستقبل أفضل.

وفي النهاية، يبقى اضطراب طيف التوحد حالة تختلف من شخص إلى آخر، ولكل فرد قدراته، ونقاط قوته، واحتياجاته الخاصة. وكلما كان التشخيص والتدخل مبكرين، ووجد الطفل أسرة واعية ودعمًا متخصصًا، ازدادت فرصه في تنمية مهاراته والاندماج في المجتمع. فالتوحد ليس عيبًا، ولا فشلًا، ولا نهاية للحياة، بل هو اختلاف في طريقة التفاعل والإدراك والسلوك. وعندما نفهم هذا الاختلاف ونتقبله، نمنح أصحاب اضطراب طيف التوحد فرصة حقيقية ليعيشوا حياة أكثر استقلالًا واندماجًا، لأن الاختلاف لا يعني الخطأ، بل يعني أن لكل إنسان طريقة مختلفة في فهم العالم والتفاعل معه.

تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير