المجالي يكتب : المفهوم الحقيقي للتأثير: بين صُنّاع القيمة وعابثي المحتوى
بقلم نضال انور المجالي.
في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ميادين عامة تشكّل وعي الشعوب وتصنع رأيها العام. وفي خضم هذا الزخم، برز مصطلح "المؤثر" كعنوان عريض يندرج تحته الغث والسمين. وهنا يحق لنا أن نتساءل، بل لزاماً علينا أن نفرز بصرامة: من هو المؤثر الحقيقي؟ وما هي القيمة المضافة التي يقدمها لوطنه وأمته؟
إن التأثير ليس مجرد أرقام تُحصى في خانة المتابعين، ولا هو تهريج يُستجلب به "التفاعل" الزائف. التأثير الحقيقي هو ذلك الذي يترك بصمة في وجدان الوطن، ويسهم في بناء وعي أبنائه، وينقل رسالته الحضارية إلى العالم بكبرياء واعتزاز.
حراس الهوية وسفراء التاريخ
كم هو عظيم ومؤثر ذلك الذي يتسلح بوعيه وثقافته، ليجوب جبال الأردن، ووديانها، وقلاعها التاريخية، ناقلاً "كنوز الأردن" إلى أقطار الأرض كافة! هذا هو المؤثر الذي نحتاجه؛ ذلك الذي يدرك أن في "البترا" و"وادي رم" و"جرش" و"عجلون" وبقايا تضحيات جيشنا العربي المصطفوي على أسوار القدس، حكايات صمود تستحق أن تُروى بصورة تليق بهيبة الدولة وتاريخها الممتد.
هؤلاء هم سفراء الهوية، الذين يوظفون التكنولوجيا الحديثة لخدمة الصالح العام، وبناء جسور سياحية واقتصادية وثقافية تعود بالنفع على الوطن وتدعم مؤسساته، انطلاقاً من قيم حقيقية ولولاء مطلق لتراب هذا الوطن ومستقبله.
نَفَاذ الصبر مع "الابتذال الرقمي"
وفي المقابل، تؤرقنا تلك الظواهر الدخيلة التي شوهت مفهوم التأثير. لسنا بحاجة إلى "مؤثري الطبخ" الذين تحولوا من تقديم الوصفات إلى المتاجرة بخصوصيات المنازل، ولا إلى أولئك الذين جعلوا من بيوتهم وبيوت أهاليهم مادة للسخرية والمضحكة، من أجل حفنة من "المشاهدات" والأرباح الرخيصة.
إن استباحة كرامة الأسرة وتحويل الترابط العائلي إلى عرض كوميدي مبتذل ليس فقراً في المحتوى فحسب، بل هو هدم للمنظومة القيمية والأخلاقية التي تربت عليها مجتمعاتنا الأصيلة. هذه السلوكيات لا تبني وطناً ولا تخدم مجتمعاً، بل تكرّس السطحية والجهل.
معادلة التأثير الحقيقي
دعونا نضع النقاط على الحروف دون مواربة: كل مؤثر لم يخدم وطنه في فكره، أو اقتصاده، أو سياحته، أو منظومته الأخلاقية، فهو مؤثر على نفسه فقط.
إن الانتماء للوطن ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو سلوك يومي، ومسؤولية تقع على عاتق كل من يملك منبراً أو صوتاً مسموعاً. إن الدولة القوية بمؤسساتها وتاريخها تستحق محتوىً إعلامياً ورقمياً يرتقي لعظمة منجزاتها، ويحافظ على قيم الحوكمة والتميز والمنظومة الأخلاقية التي تشكل صمام الأمان للمجتمع.
إن صناعة الوعي هي معركة العصر، والأوطان لا تُبنى بالتهريج بل بالانضباط والفكر الاستراتيجي الرصين. التحية والتقدير لكل يدٍ تمسك بالهاتف أو الكاميرا لتنقل للعالم صورة الأردن الشامخ، والرفض التام لكل من يقدم الابتذال على حساب كرامة المجتمع وثوابته.حفظ الله الاردن والهاشمين















