المجالي يكتب :بين "هيبة" الأمس و"خيبة" اليوم: هل ضاعت بوصلة الدراما الأردنية؟
بقلم الكاتب: نضال أنور المجالي
في الوقت الذي نتحدث فيه عن مئوية الدولة وتطوير المنظومة السياسية والإدارية، ونبذل الغالي والنفيس لتعزيز "الهوية الوطنية" وصورتنا أمام العالم، تطل علينا "الدراما المحلية" في كثير من الأحيان لتضعنا في مواجهة تساؤل مرير: هل هذا هو الأردن الذي نعرفه؟
بين "الزمن الجميل" الذي كانت فيه الشاشة الأردنية مدرسة في الفروسية، والقيم، واللهجة الرصينة، وبين ما نشاهده اليوم من محاولات "كوميدية" أو درامية باهتة، فجوة لم تعد تقاس بالسنوات، بل تقاس بمستوى "الذوق العام" وضياع الرسالة الاستراتيجية للفن كقوة ناعمة.
ذاكرة "الهيبة" الضائعة
في الزمن الجميل، لم تكن الدراما مجرد "تعبئة ساعات بث". كان العمل الدرامي يُبنى بعقلية القائد؛ نص محكم، أداء مهيب، وإخراج يحترم عين المشاهد. كنا نشاهد "نمر بن عدوان" أو "قرية بلا سقوف" فنرى أنفسنا في أبهى صورنا؛ نرى الشهامة، والأنفة، والكلمة التي تزن جبالاً. كانت الشاشة "أردنية بامتياز"، تصدر قيمنا للعالم العربي من الخليج إلى المحيط.
دراما السخرية.. أم سخرية القدر؟
أما اليوم، فقد انزلق جزء كبير من المحتوى، وخاصة ما يسمى "بالدراما الساخرة"، إلى فخ التهريج. وبدلاً من أن يكون النقد مرآة لإصلاح الخلل بذكاء وعمق، أصبحنا نشاهد تصويراً مشوهاً للإنسان الأردني؛ فإما هو "العصبي" الذي لا يفهم، أو "الساذج" الذي يُضحك الآخرين على جهله.
إن الإصرار على تقديم "النكتة السمجة" على حساب "الموقف العميق" هو استخفاف بعقل المواطن، وتقزيم لمجتمع عُرف بالوعي والثقافة. السخرية الحقيقية هي التي تلد من رحم الألم لتصنع أملاً، لا التي تستعرض العيوب لتصنع "مشاهدات" عابرة على منصات التواصل.
غياب الحوكمة والتحطيم المنهجي
من منظور إداري واستراتيجي، تفتقر الدراما اليوم إلى "رؤية مؤسسية". يبدو أننا تركنا الساحة للاجتهادات الشخصية و"الشللية"
التي تقتل الإبداع. فكيف لبلد يزخر بالكفاءات والبطولات التاريخية أن يعجز عن تقديم عمل درامي واحد يهز الوجدان الوطني أو يوثق لملاحم بناء الدولة؟
الاختصار المر: في الماضي، كانت الدراما تبني "الإنسان"، واليوم يبدو أن البعض يحاول هدم ما تبقى من وقار في صورتنا النمطية تحت مسمى "الترفيه".
كلمة الفصل
لست راضياً، ولا أعتقد أن أي غيور على صورة هذا الوطن يمكنه الرضا عن هذا التراجع. الدراما ليست ترفاً، بل هي "واجهة سيادية". نحن بحاجة إلى ثورة بيضاء في المحتوى الإعلامي، تعيد الاعتبار للمبدع الحقيقي، وتضع حداً لسياسة "تجميل القبح" أو "استجداء الضحك".
إن "الزمن الجميل" لم يرحل لعجز فينا، بل لغياب الإرادة في استنساخ جودته. الشاشة الوطنية يجب أن تظل "قلعة" للقيم، لا مسرحاً لـ "خيبات" درامية تنتهي مع انتهاء شارة التتر وتترك في النفس غصة.
آن الأوان لنعيد للدراما هيبتها.. وللشاشة الأردنية وقارها.















