facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

غرايبة تكتب : سلاسل الإمداد.. فرص لا يراها كثير من الشباب

غرايبة تكتب : سلاسل الإمداد.. فرص لا يراها كثير من الشباب
بقلم - د. رهام غرايبة

خبيرة سلاسل الإمداد الصحية والدوائية
عضو المجلس الاستشاري الصحي العالمي ISCEA-IMPA

عندما يفكر الشباب في مستقبلهم المهني، تتجه اهتمامات كثيرين نحو الوظائف والتخصصات الأكثر شيوعاً، وربما لا تخطر سلاسل الإمداد على بالهم باعتبارها مجالاً مهنياً واسعاً يحمل فرصاً حقيقية للنمو والتطور. والسبب أن هذا القطاع لا يحظى دائماً بالاهتمام الذي يعكس حجم تأثيره في الاقتصاد وحاجة المؤسسات المتزايدة إلى الكفاءات المتخصصة فيه.

لكن خلف كل منتج يصل إلى المستهلك، وكل مصنع يواصل عملياته، وكل شركة تدير مشترياتها وتوزيعها، منظومة متكاملة من سلاسل الإمداد. وهي منظومة لا تقتصر على نقل البضائع أو تخزينها، بل تشمل التخطيط، والمشتريات، وإدارة الموارد، وتحليل البيانات، والتنبؤ بالطلب، وإدارة المخاطر، والتنسيق بين الموردين والأسواق.

من أبرز المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة تقديم للشباب أن سلاسل الإمداد ليست وظيفة واحدة أو مساراً مهنياً محدوداً، بل مجال متعدد التخصصات تتقاطع فيه الإدارة، والهندسة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والصحة وتحليل البيانات.

وهذا التنوع يمنح خريجي تخصصات مختلفة فرصة للتعرف إلى مسارات مهنية قد تتناسب مع مهاراتهم واهتماماتهم؛ فمن إدارة المشتريات والتخطيط إلى الخدمات اللوجستية وإدارة المستودعات، ومن تحليل البيانات إلى إدارة المشاريع والمخاطر، تتعدد الأدوار التي تسهم في كفاءة المؤسسات وقدرتها على المنافسة.

ولا يعني ذلك أن الفرص متاحة دون تأهيل، بل إن الدخول إلى هذا المجال يتطلب معرفة بأساسياته، وفهماً للعمليات، ومهارات في التواصل والتحليل وحل المشكلات، إلى جانب القدرة على استخدام الأدوات الرقمية الحديثة.

الذكاء الاصطناعي يفتح أبواباً جديدة

لم تعد إدارة سلاسل الإمداد تعتمد على الخبرة التشغيلية وحدها؛ فقد أصبحت البيانات والتكنولوجيا جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يساعدان المؤسسات على فهم أنماط الطلب، وتحسين التنبؤ بالاحتياجات، ومتابعة حركة الموارد، وتحديد المخاطر قبل أن تتحول إلى تحديات تشغيلية.

وهذا التحول لا يلغي دور الإنسان، بل يعيد تشكيل طبيعة المهارات المطلوبة. فالمستقبل سيكون أكثر احتياجاً إلى أشخاص يستطيعون الجمع بين الفهم الإداري والتفكير التحليلي والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا.

ومن هنا، فإن الشباب الذين يستثمرون في تعلم تحليل البيانات، والأدوات الرقمية، وإدارة العمليات، واللغة الإنجليزية المهنية، يوسّعون خياراتهم في سوق عمل يتغير باستمرار.

من الوظيفة إلى الريادة

لا تتوقف الفرص عند الحصول على وظيفة؛ فسلاسل الإمداد تتيح أيضاً مساحات للأفكار الريادية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. فالحاجة إلى حلول أكثر كفاءة في التخزين والتوزيع، وخدمات المشتريات، والربط بين الموردين والعملاء، وإدارة المخزون، تفتح المجال أمام ابتكار خدمات ومنصات تلبي احتياجات حقيقية في السوق.

وقد تبدأ الفكرة من ملاحظة مشكلة بسيطة في عملية توريد أو توزيع، ثم تتحول من خلال البحث والتخطيط وفهم احتياجات العملاء إلى مشروع قابل للتطوير. وهنا تبرز أهمية ربط ريادة الأعمال بالمعرفة العملية بسلاسل الإمداد، بدلاً من التعامل مع الابتكار بوصفه فكرة منفصلة عن احتياجات الاقتصاد.

ماذا عن الشباب ؟

يمتلك الشباب فرصة للتوسع في التعرف إلى هذا المجال والاستعداد لمتطلباته، خصوصاً مع أهمية القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية واللوجستية في النشاط الاقتصادي. كما يمكن للجامعات ومراكز التدريب والمؤسسات المعنية بتمكين الشباب أن تؤدي دوراً مهماً في تعريف الطلبة والخريجين بهذا التخصص، من خلال التدريب التطبيقي، ودراسة الحالات العملية، والتواصل مع المؤسسات وسوق العمل.

ومن المهم أيضاً ألا يقتصر التوجيه المهني على التخصصات المعروفة أو المسارات الوظيفية التقليدية؛ فتعريف الشباب بالقطاعات التي تقف خلف حركة الاقتصاد قد يساعدهم على اكتشاف مجالات جديدة تتوافق مع قدراتهم، وتمنحهم فرصاً أوسع للمشاركة والإبداع.

تمكين الشباب في سلاسل الإمداد لا يعني إعداد موظفين فقط، بل بناء جيل يفهم كيف تتحرك الموارد، وكيف تُدار العمليات، وكيف تتحول البيانات إلى قرارات، وكيف يمكن للأفكار أن تقدم حلولاً اقتصادية قابلة للتطبيق.

فرصة تستحق أن نلتفت إليها

ربما لا تكون سلاسل الإمداد أول مجال يفكر فيه الشاب عند التخطيط لمستقبله، لكنها بالتأكيد من المجالات التي تستحق أن تكون حاضرة في خياراته.

فهي تجمع بين الإدارة والتكنولوجيا والاقتصاد، وتمنح مساحة للتخصص والتطور والابتكار، وتربط المهارات الفردية باحتياجات المؤسسات والأسواق.

توسيع وعي الشباب بهذا القطاع هو خطوة نحو توسيع خياراتهم المهنية، وربط طموحاتهم بفرص حقيقية في الاقتصاد.

فليس المطلوب أن يتجه الجميع إلى المجال نفسه، بل أن تتاح لهم المعرفة الكافية لاكتشاف مسارات لم تكن واضحة أمامهم من قبل.

فقد تكون الفرصة التي يبحث عنها أحد الشباب في سوق العمل، موجودة في قطاع لم يفكر يوماً أن يتخصص فيه.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير