facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصره يكتب الفصل 3: صحة المجتهد.. الفاتورة الخفية

الصحفي رفاد العياصره يكتب الفصل 3: صحة المجتهد.. الفاتورة الخفية
بقلم - الصحفي رفاد العياصره

أنا معلم وأرى هذا كل يوم

هذه الورقة ليست فصلاً في كتاب، هذه شهادة وفاة مع وقف التنفيذ. يكتبها معلم شجاع لأنه تعب من الكذب.
نحن نكذب كل يوم. نقول للأهالي: ابنك كسول. ابنك ما بيدرس. شدوا عليه. والولد ليس كسولاً، الولد خائف حتى الموت.
تعالوا نفك هذه الفاتورة التي ندفعها من صحة أولادنا، بنقد لاذع، لأن المجاملة قتلت جيلاً كاملاً.

: جريمة اسمها "المجتهد"

في كل صف، هناك ولد كنا نسميه قديماً "المجتهد"، اليوم نسميه "المريض".

نحن صنعنا وحشاً اسمه العلامة الكاملة. وضعناه فوق رأس طفل عمره 10 سنوات وقلنا له: إذا لم تحضر لي 95، فأنت فاشل، وأمك ستبكي، وأبوك سيضربك، والمعلمة ستهينك.

الولد صدقنا. حمل هذا الوحش على ظهره. ومشى.

والنتيجة؟ هذه الورقة التي أمامك. هذه ليست أعراض مرض، هذه أعراض تعذيب.

نحن نعذب أبناءنا باسم الحب، ونعذبهم باسم المستقبل، ونعذبهم باسم "بدي إياك أحسن مني"، والحقيقة أننا نعذبهم لأننا مرضى نفسياً بعقدة العلامات.

المتن: ثلاث فواتير يدفعها جسد صغير لا يحتمل

أولاً: جسدياً - الجسد الذي يصرخ قبل المدرسة

> صداع مزمن، مغص قبل المدرسة، فقدان شهية، قلة نوم.

هذا ليس تمثيلاً. هذا جسد طفل يقول "لا أريد أن أذهب إلى المسلخ".

الصداع المزمن لطفل في الصف الخامس؟ من أين؟ هل عنده ضغط دم؟ لا. عنده ضغط توقعات. دماغ صغير يحمل هم 6 مواد وامتحانات وزارية وأم تقارنه بابن خالته.

المغص قبل المدرسة الساعة 7:15 صباحاً؟ كل أم تعرفه. الولد يمسك بطنه ويبكي. الأم تقول: يتدلع. لا يا ستي، لا يتدلع. هذا قولونه العصبي انهار من الخوف. أمعاؤه تتقلص لأنه يعرف أنه إذا نسي كلمة في الإملاء سينضرب أو سيتم توبيخه أمام الصف.

فقدان الشهية وقلة النوم؟ طفل عمره 11 سنة عنده أرق مثل رجل مديون؟ نعم. لأنه ينام وهو يفكر: ماذا لو نقصت علامة؟ ماذا لو نسيت قانون؟

نحن حولنا المدرسة، التي كان يجب أن تكون بيتاً ثانياً، إلى غرفة تحقيق. والجسد أذكى منا، الجسد يرفض الذهاب.

ثانياً: نفسياً - العار الذي لا يُحكى

> قلق، تبول لا إرادي بعد انقطاع، تأتأة جديدة، قضم أظافر، بكاء في البيت.

هنا الجريمة الكبرى، وهنا يجب أن نخجل من أنفسنا.

تبول لا إرادي بعد انقطاع لطفل عمره 9 سنوات كان نظيفاً؟ هل تعلم ما معنى هذا في الطب النفسي؟ معناه رعب. رعب يصل إلى درجة أن الجهاز العصبي يفقد السيطرة على المثانة. ولد يبول على نفسه ليلاً لأنه خائف أن يخطئ في جدول الضرب.

تأتأة جديدة؟ ولد كان يتكلم بطلاقة، فجأة أصبح يتلعثم. لماذا؟ لأننا كلما تكلم قاطعناه: غلط! خطأ! أعد! فقرر دماغه أن الصمت أقل ألماً من الكلام، فصار يتلعثم.

قضم أظافر حتى الدم، بكاء في البيت بدون سبب؟ هذا ليس دلعاً. هذا انهيار عصبي مصغر. هذا طفل يقول لكم بطريقته الوحيدة: أنا لا أستطيع. ارحموني.

ونحن ماذا نفعل؟ نأخذه لطبيب أطفال يعطيه فيتامينات. يا أخي ليس بحاجة لفيتامين، بحاجة لأمان.

ثالثاً: دراسياً - الكذبة الكبرى

> معدل 95 ينزل لـ 70 في شهرين. ليس غباءً، بل لأنه مشغول بحماية نفسه لا بالاستماع للشرح.

وهنا النكتة السوداء التي تضحك وتبكي.

يأتي الأب للمدرسة صارخاً: كان 95، صار 70، الولد صار كسول! اضربوه! شدوا عليه!

يا أبله، الولد ليس كسولاً. الولد ذكي جداً. أذكى مما تتخيل.

هو في الحصة لا يستمع للشرح، هو مشغول بمهمة أخرى أكثر أهمية لبقائه: كيف أحمي نفسي؟

كيف أجلس في آخر الصف حتى لا تراني المعلمة؟ كيف أتجنب أن تسألني؟ كيف أحفظ شكل الصفحة حتى لا أنسى؟ كيف أراقب وجه المعلمة هل هي غاضبة مني؟

دماغه كله يعمل كرادار للخطر، وليس كرادار للعلم. فطبيعي أن لا يفهم. فطبيعي أن ينزل معدله.

الـ 95 لم تكن ذكاءً، كانت خوفاً. والـ 70 ليست كسلاً، هي استسلام. الولد استسلم. قال: لن أستطيع أن أكون 95 دائماً، فأكون 70 وأرتاح من الضغط.

نحن قتلنا دافعيته، ثم نلومه لأنه لا يدرس.

: أهل المجتهد يظنون ابنه كسول، والحقيقة ابنه خائف

الجملة الأخيرة في ورقتك هي الصفعة:

أهل المجتهد يظنون ابنه كسول، والحقيقة ابنه خائف.

وهنا يجب أن نكون لاذعين مع الأهل، بكل حب وقسوة:

يا أب، يا أم، أنت لست حريصاً، أنت أناني.

أنت لا تريد ابناً ناجحاً، أنت تريد علامة تعلقها على صدرك في العزاء وتقول: ابني 98. ابنك ليس تروفيه.

أنت تقول "بدي مصلحته"، لا، أنت تريد مصلحة صورتك أمام الناس. تخاف أن يقولوا ابنك فاشل.

الولد الكسول فعلاً لا يبكي في البيت، ولا يبول على نفسه، ولا يقضم أظافره. الكسول مرتاح ومبسوط ويلعب ببجي.

الخائف هو الذي يتألم. الخائف هو الذي يحاول ويموت من المحاولة.

فكفى كذباً. اذهب اليوم لابنك، لا تسأله عن علامته. اسأله: هل أنت خائف مني؟

إذا قال نعم، فقد عرفت أين الخلل. الخلل ليس في ابنك، الخلل فيك.

ارحموا مجتهديكم قبل أن تدفعوا الفاتورة الحقيقية، وهي ليست 70 في الشهادة، بل 70 حبة دواء نفسي بعد عشر سنوات.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير