د. بزبز يكتب الدكتور نواف العجارمة… حين تتقدّم الحكمة إلى جوهر المسؤولية، ويصبح الدعم قوّةً للميدان
بقلم : الدكتور محمد يوسف حسن بزبز - سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي
ليست المناسبات العالمية محطاتٍ عابرةً في التقويم، ولا كلماتٍ تُقال ثم تطويها الأيام؛ إنما هي فرصٌ لإعادة التأمل في قيمة المسؤولية، واستحضار المعنى الحقيقي للإدارة، والإنصاف في تقدير أولئك الذين يحملون أعباء العمل المؤسسي، ويصنعون من مواقعهم مساحاتٍ للتطوير والإنجاز. وفي يوم المدير العالمي، تتجه الأنظار إلى جوهر الإدارة بوصفها فكرًا يوجّه، وحكمةً توازن، وموقفًا يساند، وأثرًا يمتد إلى ما وراء حدود المنصب.
وفي هذا السياق، يبرز الدكتور نواف العجارمة، الأمين العام لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لشؤون المدارس، بوصفه نموذجًا يستحق التوقف عند ما تمثّله الخبرة الإدارية والتربوية من قيمة، وما تمنحه الحكمة من عمقٍ في قراءة المواقف، وما تضيفه دقة الملاحظة من بصيرةٍ تتجاوز ظاهر التفاصيل إلى ما تنطوي عليه من دلالات.
فالإدارة التي تستحق التقدير ليست تلك التي تكتفي بمتابعة ما يجري، بل التي تُحسن فهمه؛ وليست التي تتعجّل إصدار الأحكام، بل التي تمنح الوقائع حقّها من النظر والتقدير. وبين رؤية التفاصيل وإدراك دلالاتها مسافةٌ لا يقطعها إلا من راكم الخبرة، وصقلته التجارب، وأدرك أن القرار الرشيد لا يقوم على ظاهر المشهد وحده، بل على فهم أبعاده، واستيعاب ظروفه، والموازنة بين مقتضيات العمل واحتياجات الميدان.
وتبلغ المسؤولية أسمى معانيها حين لا يكون المنصب حاجزًا بين صاحبه والعاملين معه، بل جسرًا يصل القرار بمن يحتاج إليه، والخبرة بمن يبحث عن التوجيه، والطموح بمن يستطيع أن يفتح أمامه أبواب التقدّم. فإتاحة المجال للحوار، والإصغاء إلى أصحاب الشأن، ومساندة الجهود المخلصة، ليست تفاصيل جانبية في العمل الإداري؛ بل هي من صميم الإدارة الواعية التي تعرف أن المؤسسات لا تنهض بالتعليمات وحدها، وإنما تنهض حين يشعر العاملون فيها بأن جهودهم مسموعة، وتحدياتهم مفهومة، ومبادراتهم تجد من يدعمها ويوجهها.
ومن هنا، فإن الدعم الإداري الحقيقي لا يُختزل في كلمة تشجيع، ولا في موقفٍ عابر، بل يتجسّد في مساندةٍ تمنح صاحب المسؤولية الثقة، وتساعده على تجاوز العقبات، وتضع أمامه رؤيةً أوضح للمضيّ في عمله. وحين تقترن المساندة بالحكمة، والتوجيه بالإنصاف، والمتابعة بفهم الواقع، يصبح المسؤول شريكًا في صناعة الحلول، لا مجرد جهةٍ تنتظر النتائج؛ ويغدو حضوره عنصرًا فاعلًا في تعزيز المبادرة، وترسيخ الثقة، وتحويل التحديات إلى فرصٍ للتحسين والتطوير.
وفي وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، حيث تتشابك المسؤوليات وتتعدد احتياجات الميدان، تتضاعف أهمية هذه المعاني. فالعمل التربوي منظومةٌ مترابطة، تتكامل فيها جهود الوزارة والمديريات والمدارس، وتتأثر جودة مخرجاتها بقدرة الإدارة على توحيد الاتجاهات، وتيسير العمل، وتقديم الدعم الذي يمكّن الكفاءات من أداء أدوارها بكفاءةٍ واقتدار. ومن ثمّ، فإن القيادة الإدارية الفاعلة لا تقف عند حدود تنظيم العمل، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تساعده على النجاح، وتدعم العاملين فيه، وتصل بالرؤية المؤسسية إلى واقعٍ ملموس في الميدان.
إن قيمة المسؤول لا تُقاس بعلوّ موقعه في الهيكل الإداري، بل بقدرته على منح هذا الموقع معنىً يتجاوز الصلاحيات إلى المسؤولية، والتوجيه إلى التمكين، والمتابعة إلى صناعة الأثر. فهناك فرقٌ بين من يدير الملفات، ومن يدرك ما وراءها من مسؤولياتٍ وأشخاصٍ وغايات؛ وبين من يصدر القرار، ومن يحرص على أن يكون القرار متصلًا بالواقع، مستندًا إلى الفهم، وموجّهًا نحو المصلحة العامة.
وفي يوم المدير العالمي، لا تبدو الإشادة بالإدارة الحكيمة مجاملةً تفرضها المناسبة، بل اعترافًا بقيمةٍ ينبغي أن تبقى حاضرةً في ثقافة العمل التربوي: أن الخبرة تزداد قيمةً حين تُسخَّر لخدمة الآخرين، وأن الحزم يبلغ غايته حين يرافقه الإنصاف، وأن قوة المسؤولية لا تظهر في اتساع الصلاحيات وحده، بل في حسن توظيفها، وفي القدرة على الموازنة بين متطلبات المؤسسة واحتياجات العاملين فيها.
إلى الدكتور نواف العجارمة، أكتب هذه الكلمات تقديرًا لما تمثّله الخبرة والحكمة والمساندة من ركائزَ للعمل الإداري المسؤول، وإيمانًا بأن الميدان التربوي يحتاج دائمًا إلى إدارةٍ تنصت إلى واقعه، وتفهم تحدياته، وتدعم طاقاته، وتمنح الجهود المخلصة ما تستحقه من اهتمامٍ ومؤازرة. فالمؤسسات التي تجد في إدارتها سندًا حقيقيًا تكون أقدر على تجاوز الصعوبات، وأكثر استعدادًا لتحويل الرؤى إلى إنجازات.
إن يوم المدير العالمي ليس احتفاءً بمسمّى وظيفي، بقدر ما هو احتفاءٌ بالمعنى الذي يمنحه الإنسان لمسؤوليته؛ وليس تكريمًا للموقع، بقدر ما هو تقديرٌ لما يمكن أن يصنعه الموقع حين تتقدّمه الحكمة، وتضبطه العدالة، وتوجّهه خدمة الميدان.
فالمناصب، مهما علت، تظل مواقعَ في مسيرة العمل؛ أما ما يمنحها قيمتها الحقيقية، فهو ما يُبنى من ثقة، وما يُقدَّم من دعم، وما يُترك من أثرٍ طيبٍ في الناس والمؤسسات.
كل التقدير للدكتور نواف العجارمة ، في يوم المدير العالمي؛ تقديرًا لمسؤوليةٍ تتجاوز حدود المنصب، ولإدارةٍ تتجلّى قيمتها في الحكمة وحسن التقدير ومساندة الميدان، ولرسالةٍ تربويةٍ لا تكتمل إلا بتكامل الجهود، وتضافر الخبرات، والإيمان بأن وراء كل إنجازٍ مؤسسةً يعمل أبناؤها بروح الفريق، ويستحقون إدارةً تعينهم على بلوغ غاياتهم.
















