سارة السهيل تكتب.. تكملة الكلمة
بقلم: سارة طالب السهيل
وحين تستذكرين شقيقك وصفي، فإن الذاكرة الوطنية تنتقل من الوثيقة الجامدة إلى النبض الإنساني الحي.
وهنا تكمن القيمة التي لا يمكن لأي متحف أو أرشيف أن يصنعها وحده؛ قيمة الإنسان الذي يحمل الذاكرة في قلبه قبل أن يضعها على رفوف الحفظ.
ولهذا يحق لنا أن نقول اليوم، أمام هذا الجمع الكريم: إن بيت عرار له حارسة من سلالة عرار.
وإن ذاكرة وصفي لها أخت عرفت قيمة أخيها في وجدان وطنه.
وإن إرث آل التل وجد في السيدة وصفية قلبًا أمينًا عليه، وضميرًا لا يساوم على حمايته، ووفاءً قلّ أن نجد له شبيهًا. وإذا كان عرار قد ترك لنا قصيدته، ووصفي قد ترك لنا موقفه، فقد تركتِ أنتِ لنا أمانة الحفاظ على كليهما، وقد حملتِ هذه الأمانة بما يليق باسمك وباسم أبيك وأخيك وباسم هذا البيت العظيم.
ولذلك فإن شكرنا لكِ اليوم لا يكفيه تصريح، ولا تختصره عبارة، ولا تستوعبه كلمات مراسمية. إنه شكر جيلٍ كامل لمن حمت ذاكرته.
وشكر وطنٍ لامرأة بقيت واقفةً على أبواب تاريخه تمنع الغياب من أن يتحول إلى نسيان.
وشكر إربد لابنة من أعظم أبنائها. وشكر الثقافة الأردنية لسيدة أدركت أن الإرث الحقيقي ليس ما نمتلكه، بل ما نحفظه للأجيال التي تأتي بعدنا.
وفي هذا اليوم، فإن إعادة افتتاح بيت عرار الثقافي لا تمثل حدثًا ثقافيًا فحسب؛ إنها رسالة وطنية عميقة تقول إن الأردن لا ينسى أبناءه، ولا يهجر ذاكرته، ولا يترك رموزه لتغيب في العتمة. فالأمم العظيمة لا تبدأ من الصفر كل صباح.
الأمم العظيمة تعرف آباء نهضتها، وتحفظ أسماء أدبائها وشعرائها ورجالات دولتها، وتروي لأطفالها وشبابها قصص الذين سبقوهم، لأن المستقبل الذي لا يستند إلى ذاكرة صلبة يبقى هشًا مهما بدا براقًا.
وإننا، إذ نحتفي بهذا الصرح، نتوجه بجزيل الشكر والامتنان إلى وزارة الثقافة الأردنية، وإلى معالي وزير الثقافة، ومندوبه الكريم الحاضر بيننا، وإلى جميع من أسهم في إعادة الحياة إلى هذا المكان وحمايته وإبرازه بالصورة التي تليق بقيمته الوطنية والثقافية.
إن هذه الرعاية الكريمة لبيت عرار تعكس إيمان الدولة الأردنية بأن الثقافة ليست ترفًا، وأن الذاكرة ليست هامشًا، وأن رموز الوطن ليست أسماء في كتب التاريخ، بل ركائز في بناء الهوية الوطنية.
كما تعبّر عن نهج الأردن، في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، في صون الموروث الثقافي والفكري الوطني، وإبقاء جسور التواصل مفتوحة بين الأجيال، حتى يعرف الأردني من أين جاء، وعلى أي إرث يقف، وإلى أي مستقبل يريد أن يمضي.
فالهوية التي تحميها الثقافة أقوى من أن تهزمها العواصف. والأمة التي تحفظ شعراءها ورجالاتها تحفظ نفسها. والوطن الذي يكرم رموزه يقول لأجياله القادمة: إن الوفاء ليس ذكرى، بل خُلُق دولة وشعب.
واليوم، من بيت عرار، ومن إربد التي أحبها، ومن بين هذه الجدران التي تعرف اسمه وتعرف خطاه، نرفع أكف الدعاء إلى الله تعالى أن يتغمد شاعر الأردن الكبير مصطفى وهبي التل «عرار» بواسع رحمته، وأن يجزيه عن الكلمة الصادقة وعن الأدب والفكر والثقافة خير الجزاء.
ونستذكر بكل الإجلال والرحمة دولة الشهيد وصفي التل، رجل الدولة الذي بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة الأردنيين ووجدانهم، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته. لكِ منا، سيدتي، كل التقدير والإجلال.
ولكِ من هذا البيت الذي أحببتِه وحميتِه شهادة لا تحتاج إلى ورق: أنكِ كنتِ أمينةً على الذاكرة. وأنكِ أديتِ الأمانة. وختامًا… سلامٌ على عرار يوم حمل الأردن قصيدةً في قلبه. وسلامٌ على وصفي يوم حمل الأردن موقفًا ومسؤوليةً في وجدانه. وسلامٌ على وصفية، حارسة المجدين، وهي تقف اليوم شاهدةً على أن الوفاء قادر على أن يهزم النسيان.
وسلامٌ على إربد؛ إربد الخرزات، إربد العلم والشعر والرجال، المدينة التي أعطت الأردن أسماء أكبر من أعمارها، وأبقى من السنين. وسلامٌ على هذا البيت؛ بيت عرار، بيت الكلمة والموقف، بيت الذاكرة والكرامة، البيت الذي كلما فُتح بابه، فُتحت معه صفحة من صفحات الأردن الجميلة.
وأدام الله الأردن حرًا أبيًّا عزيزًا شامخًا، محفوظًا بأهله، قويًا بوعيه، معتزًا بماضيه، واثقًا بمستقبله، راسخًا بقيادته الهاشمية الحكيمة، وعلى رأسها حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه.
والرحمة لعرار ووصفي،والعمر المديد للسيدة الجليلة وصفية التل،والمجد للأردن، أرضًا وقيادةً وشعبًا وذاكرةً وهوية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سارة طالب السهيل
يَا بَيْتَ عَرَارٍ، وَيَا سِفْرَ العُلَا ** تَبْقَى مَنَارَ المَجْدِ لِلْأَحْرَارِ فِيكَ اسْتَقَامَ الحَرْفُ سَيْفَ كَرَامَةٍ ** وَتَضَوَّعَ التَّارِيخُ بِالأَشْعَارِ عَرَارُ، يَا صَوْتَ البِلَادِ وَعِزَّهَا ** اسْمُكَ نَقْشُ الخُلْدِ فِي الأَسْفَارِ وَوَصْفِيٌّ، شَهِيدُ المَجْدِ، صَقْرُ دَوْلَةٍ ** بَاقٍ عَلَى مَرِّ المَدَى كَالنَّارِ وَوَصْفِيَّةُ المَجْدِ المَصُونِ، أَمِينَةٌ ** حَمَتِ التُّرَاثَ بِعِزَّةٍ وَوَقَارِ فَابْقَ، أَيَا بَيْتَ البُطُولَةِ، شَامِخًا ** فَالمَجْدُ يَبْدَأُ مِنْ هُنَا وَيُدَارِ.















