facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي:رفاد العياصرة يكتب جرش: قرون النسيان

الصحفي:رفاد العياصرة يكتب جرش: قرون النسيان
بقلم- الصحفي:رفاد العياصرة

دُفنت المدينة.. حرفياً
: جرش لم تسقط بالحرب، جرش سقطت بالنسيان.

سنة 750 ميلادي، انتهى العصر الأموي وبدأ العباسي. العاصمة انتقلت من دمشق القريبة إلى بغداد البعيدة. جرش التي كانت أميرة على طريق التجارة، صارت فجأة قرية على طرف الطريق. لا أحد يمر بها. لا أحد يهتم بها.

ثم جاء الزلزال الكبير سنة 749م. زلزال ضربها قبل سقوط الأمويين بسنة واحدة. دمر كل شيء. الأعمدة سقطت مثل أعواد كبريت. المسارح انشقت. الناس ماتوا تحت الحجارة.

ولم يأتِ أحد ليبنيها.

لماذا يبنيها العباسي؟ عنده بغداد.
لماذا يبنيها المملوكي؟ عنده القاهرة.
لماذا يبنيها العثماني؟ عنده إسطنبول.

فبقيت جرش 1100 سنة مدفونة. ليس تحت التراب فقط، بل تحت النسيان.

#### كيف تحولت جرش إلى قرية صغيرة وتلال من الأنقاض؟

تخيل معي المنظر:

مدينة رومانية عظيمة، فيها 15 ألف نسمة، شوارعها من رخام، فجأة تصبح تلالاً. الريح تجلب التراب سنة بعد سنة، فيضانات سيل جرش تجلب الطين سنة بعد سنة، حتى غطت الأعمدة.

لم يبقَ إلا جزء صغير من الناس يعيش فوق الأنقاض. يبنون بيوتاً من حجارة المعابد. يزرعون قمحاً بين الأعمدة الساقطة. يرعون غنماً في المسرح الجنوبي. المدينة العظيمة أصبحت "جرش الخربة".

المؤرخون يسمونها: The Lost City. المدينة الضائعة. لمدة ألف سنة، العالم كله نسي أن هناك مدينة اسمها جرش.

# وصف الرحالة الأوروبيين لجرش المطمورة

أول أوروبي رآها بعد 1100 سنة من النسيان هو الرحالة الألماني أولريخ جاسبر زيتسن سنة 1806.

كتب في مذكراته وهو مصدوم: "سرت في الصحراء فوجدت مدينة كاملة من الرخام تحت التراب. الأعمدة تخرج رؤوسها من الأرض مثل أصابع ميت يستغيث."

بعده جاء الإنجليزي بكنغهام سنة 1816، قال: "البدو يسمونها جرش الخراب. سألتهم من بناها؟ قالوا: لا نعرف، بناها الكفار قبلنا."

الرحالة كانوا يأتون ويبكون. يبكون على مدينة عظيمة مدفونة والبدو يطبخون فوق مسرحها. ونحن اليوم نفعل نفس الشيء، نطبخ منسف فوق تاريخنا ولا نهتم.

# البدو والشركس والذاكرة الشفهية للمكان

هنا النقطة التي ستوجعك.

لمدة 1000 سنة، من حافظ على اسم جرش؟ ليس الكتب، لأن الكتب نسيتها. الذي حافظ عليها هم سكانها الفلاحين

سكان القرى المحيطة كانوا يمرون من هناك ويقولون: هذه خربة جرش. كانوا يحكون لأبنائهم: هنا كانت مدينة للروم، هنا كان فيه جن.

ذاكرة شفهية فقط. لا كتابة. لو نسي اهل القرى الاسم، لنسي العالم جرش للأبد.

حتى جاء العثمانيون سنة 1878 وأحضروا الشركس المهاجرين من روسيا. السلطان عبد الحميد قال لهم: اسكنوا في هذه الخربة، احموها.

الشركس هم من نفض التراب أول مرة عن جرش. هم من بنى أول بيوت حجر فوق الأنقاض. هم من أعاد الحياة لمدينة ميتة منذ 1100 سنة.

يعني جرش الحديثة لم يبنها الرومان، بناها شركسي هارب من الموت في القوقاز، وقروي حافظ على الاسم في ذاكرته.

---
### الفصل الثامن: جرش الحديثة - عودة الحياة

1878 - 2026: من خربة إلى مدينة بلا روح؟

1878، وصل أول 50 عائلة شركسية. معهم أطفالهم وأغنامهم. نظروا إلى التلال وقالوا: هذه بيوتنا.

بنوا بيوتاً صغيرة من حجارة جرش الرومانية نفسها. حجارة المعبد أصبحت حائط دار. عمود روماني أصبح أساس بيت.

ثم بدأت الحياة تعود. سوق صغير. مسجد صغير. مطحنة.

1921، جاء الأمير عبد الله. مر من جرش وقال: هذه مدينة مهمة.

1946، الاستقلال. صارت جرش قضاء.

1960، بدأ التنقيب الحقيقي. جاء الأثريون وبدأوا يزيلون التراب عن المدينة المطمورة. كلما حفروا، وجدوا مدينة أخرى تحتها.

وهنا المفارقة الموجعة التي يجب أن أقولها لك:

أعدنا اكتشاف المدينة الحجرية، لكننا لم نعد اكتشاف روح المدينة.

اليوم عندك جرش الأثرية: أجمل مدينة رومانية في العالم خارج إيطاليا. وعندك جرش المدينة: شارعين، قهوتين، 1000 عاطل عن العمل، و1000 شيخ وهمي.

الرومان بنوا مسرحاً يتسع لـ 5000 شخص ليتعلم الناس الموسيقى والفكر. ونحن اليوم بنينا بجانبه قهوة يشتم فيها 5000 شخص بعضهم بعضاً على الفيسبوك.

المدينة قامت من تحت التراب، لكن عقل أهلها ما زال مدفوناً.

جرش الحديثة عادت للحياة بجسدها، لكنها ما زالت تبحث عن روحها منذ 1878 حتى اليوم.

السؤال الأخير لهذين الفصلين:

الرومان بنوا جرش في 200 سنة، وانهارت في يوم واحد بزلزال.

والشركس واهل القرى أعادوها في 100 سنة.

ماذا ستبني أنت؟ هل ستكون مثل الروماني الذي يبني، أم مثل الزلزال الذي يهدم، أم مثل القروي الذي يحافظ على الاسم فقط في الذاكرة؟
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير