"اللقطات المبتورة" بالفيديوهات.. كيف تقود لأحكام متسرعة وأزمات مفتعلة؟
القبة نيوز- ينتشر مقطع لطالب لا يستجيب لمعلمه داخل الصف ويسيء بطريقة أجوبته، ويتم تداول هذا الفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبشكل سريع مع تعليقات تتحدث عن "انهيار احترام المعلم" و"جيل بلا قيم". بعد ساعات، يتضح أن الحادثة وقعت قبل أعوام، وأن المدرسة عالجتها حينها، لكن المقطع أعاد خلق أزمة عامة حول التعليم وكأنها ظاهرة واسعة.
وفيديو آخر لفتاة تتصرف بطريقة غير مألوفة في مكان عام، فترفق اللقطة بتعليقات عن "تغير أخلاق المجتمع" و"سلوكيات دخيلة". ولاحقا يتبين أن الفيديو مقتطع من سياق أطول، وأنه جزء من مزحة أو تصوير تمثيلي، رغم ذلك، كان الانطباع الأول قد تحول إلى نقاش واسع عن القيم.
ومقطع آخر لشجار في مستشفى أو مؤسسة حكومية، فيشارك على أنه دليل على "فوضى عامة" أو "انعدام النظام". ثم يظهر أن الحادثة فردية بين شخصين، أو نتيجة ضغط محدد في وقت معين، لكن تداول المقطع أعطى إحساسا بأن المشهد يتكرر في كل مكان.
أيضا؛ ينتشر مقطع قصير لرفوف فارغة في متجر، يتداوله بعض الناس كدليل على "أزمة اقتصادية كبيرة" أو "نقص شامل". بعد ذلك يتبين أن التصوير كان قبل إعادة التوريد أو في وقت محدد من اليوم، لكن اللقطة وحدها خلقت شعورا عاما بالقلق.
هذه الأمثلة توضح كيف يمكن للقطة واحدة أن تتحول إلى "قضية عامة"، رغم أنها قد تكون حادثة فردية أو خارج سياقها.
اختصاصية الإعلام الرقمي ومدربة التربية الإعلامية والمعلوماتية الدكتورة بيان القضاة، تعرف ما يحدث بـ"الصدمة الأخلاقية"، والتي تعكس بدقة إحدى الإشكاليات الأساسية والجوهرية في الفضاء الرقمي المعاصر، والمتمثلة في تضخيم الأحداث الفردية وتحويلها إلى مؤشرات مضللة عن واقع المجتمع.
وتؤكد أن المحتوى الرقمي اليوم لم يعد يُنتج فقط لنقل الحقيقة، بل غالبًا ما يُصاغ بطريقة تستهدف إثارة الانفعال والعواطف وجذب الانتباه، حتى لو جاء ذلك على حساب الدقة. وتوضح أن "الصدمة الأخلاقية" لا يقتصر أثرها على خلق ردود فعل لحظية، بل يمتد ليؤثر على طريقة تفكير الجمهور، حيث يدفعه نحو التعميم وإصدار الأحكام السريعة من دون تدقيق في صحة المعلومة، وهنا تكمن الخطورة، بحسب القضاة. وتشير إلى أن المتلقي يتحول من باحث عن الفهم إلى متفاعل مع الإثارة، في بيئة رقمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة للجدل لا الأكثر دقة. وتضيف القضاة أنه من هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لمهارات التفكير النقدي، وتعزيز دور التربية الإعلامية كخط دفاع أول في مواجهة هذا النوع من التضليل، مؤكدة أن الفهم العميق للسياق، والقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، لم يعودا خيارًا، بل ضرورة لحماية الوعي الفردي والجمعي.
وتشدد على أنه في ظل هذا الواقع، لا بد من التأكيد أن ليس كل محتوى صادم يعكس ظاهرة حقيقية، وأن التسرع في التعميم قد يخلق أزمات وهمية، يكون تأثيرها أحيانًا أخطر من الحدث نفسه. ويشرح اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن مشاهدة مقطع قصير، أو لقطة واحدة، أو تعليق مقتطع، أو مشهد بلا سياق، يكفي أحيانًا لإطلاق موجة غضب واسعة، وكأن المجتمع كله تغير في لحظة. ويبين أن ما يحدث في كثير من الأحيان ليس قراءة للواقع بقدر ما هو استجابة لما يمكن تسميته "الصدمة الأخلاقية"، حيث يتحول حدث فردي إلى مؤشر عام، وتُحمل لقطة واحدة أكثر مما تحتمل. ويؤكد خزاعي أن هذا النوع من التفاعل، يصبح فيه التصرف الفردي دليلًا على "انحلال"، وجملة واحدة تتحول إلى "إهانة لقيم كاملة"، وفيديو بلا خلفية زمنية أو مكانية يبدو كأنه حقيقة مؤكدة.
ويضيف أنه لا يعود التركيز على فهم ما حدث، بل على حجم الاستفزاز الذي أحدثه المقطع، ومع تصاعد التفاعل، ينتقل النقاش من محاولة الفهم إلى إطلاق الأحكام، ويصبح الهدف إيقاف "الظاهرة" حتى لو لم تكن موجودة.
ويوضح أن هذه الآلية في التعامل مع ما يُنشر تتغذى على سرعة النشر وإعادة المشاركة، وأن كل إعادة نشر تضيف طبقة جديدة من الغضب، وكل تعليق حاد يعزز الانطباع بأن ما حدث ليس حالة فردية بل مشكلة عامة. ومع الوقت تتشكل صورة ذهنية بأن الأمور خرجت عن السيطرة، بينما قد يكون الأصل مجرد موقف محدود أو مشهد معزول.
وتوضح القضاة أن "الصدمة الأخلاقية" تختصر الطريق بين المشاهدة والحكم، وهذه هي المشكلة. فبدلا من أن يسأل المتابع: "من الشخص؟ ما السياق؟ متى صور الفيديو؟ هل هو قديم؟ هل يمثل ظاهرة فعلا؟"، يقفز مباشرة إلى الاستنتاج والنشر بلا تفكير تحت تأثير الغضب والاستهجان، فتتحول لقطة قصيرة إلى أزمة.
وبدورها تؤكد المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني أن مشاهدة مقاطع صادمة متكررة لا تمر من دون أثر نفسي على المتلقي، حتى لو كان الفيديو حالة فردية.
وتوضح أن تكرار هذا النوع من المحتوى يخلق شعورا بأن العالم أكثر اضطرابا مما هو عليه فعليا. فيبدأ المشاهد بالإحساس بأن القيم تتراجع، وأن السلوكيات السلبية تنتشر، رغم أن ما يراه يكون مجرد حالات معزولة جرى تضخيمها.
ووفق الكيلاني؛ فإن أول أثر يظهر هو القلق الاجتماعي، فالمشاهد الذي يتعرض باستمرار لمقاطع صادمة يشعر أن البيئة من حوله غير آمنة أو غير مستقرة.
وهذا الشعور لا يأتي من تجربة مباشرة، بل من الانطباعات المتراكمة، ومع الوقت يصبح أكثر حذرا، وأقل ثقة بالآخرين، وكأن الواقع كله يشبه ما يظهر على الشاشة، وفق الكيلاني.
وتشير إلى أن هذا النوع من المحتوى يخلق توترا عاطفيا سريعا، فالفيديو القصير المصمم لإثارة الغضب يدفع المشاهد إلى رد فعل فوري، من دون وقت كاف للتفكير، ويتنقل الشخص بين الغضب والاستياء والإحباط خلال دقائق، موضحة أن هذا التقلب السريع في المشاعر يرهق الجهاز العصبي، خاصة مع تكرار التعرض لمحتوى مشابه.
وتضيف أن من الآثار أيضا الإحساس بانهيار القيم، فعندما يرى المشاهد سلوكا صادما ويتكرر أمامه بصيغ مختلفة، يعتقد أن هذا السلوك أصبح شائعا، فيتشكل شعور بالتشاؤم تجاه المجتمع، حتى لو لم يختبر هذه السلوكيات في حياته اليومية، وهنا يصبح الانطباع أقوى من الواقع.
ومع الوقت، يصل بعضهم إلى الإرهاق النفسي من كثرة المقاطع الصادمة التي تخلق شعورا بثقل داخلي، وكأن كل ما يحدث سلبي، فيفقد الشخص تدريجيا حس التوازن، ويصبح أكثر ميلا لرؤية الجوانب السلبية فقط، حتى في أمور عادية.
وأخيرا، تؤكد الكيلاني أن المشكلة ليست في المقطع الواحد، بل في تراكمها فالتعرض المستمر لصدمة أخلاقية مصغرة يجعل المشاهد يعيش حالة من القلق والتشاؤم، ويكون صورة ذهنية عن المجتمع تكون أبعد ما تكون عن الواقع.
















