الزبن يكتب :مبادرة ولي العهد..السردية الأردنية مقاربة فكرية وبنيوية لإعادة تشكيل الوعي الوطني
بقلم: حسن محمد الزبن
مبادرة ولي العهد "السردية الأردنية" تُمثل مقاربة فكرية وبنيوية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الوطني بصورة شاملة.نسأل الله أن يوفق هذا العمل الوطني الكبير وأن يُكلل بالنجاح، لا سيما في ضوء التحديات التي تستدعي موارد مالية ضخمة لتلبية الاحتياجات المختلفة المرتبطة به.
ففكرة إنشاء موسوعة أردنية شاملة ليست جديدة، وقد كانت موجودة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. طرح فكرتها الدكتور المرحوم يحيى نبهان، الذي ناقشها علنًا عبر مقابلة تلفزيونية. ومع ذلك، لم تجد تلك الفكرة حينها من يستمع إليها أو يدعمها. لاحقًا، عرض الدكتور نبهان الفكرة عليَّ، بحكم صداقتنا وعملي كباحث وكاتب في مجال النشر، حيث أجرينا لقاءً طويلًا في مكتبي لدراسة المشروع. عند الاطلاع على المادة المُنجزة حتى تلك اللحظة.
اتضح لي أنها تحتاج إلى إضافة الكثير من المحتوى وكذلك إعادة التبويب وفق تصنيفات الموسوعات العالمية. احتجنا إلى مصادر ومراجع إضافية قوية تدعم المشروع، مما دفعنا للبحث الجاد في هذا الاتجاه. بدأنا جهدًا مشتركًا لجمع المواد الضرورية، واستخرجنا هوية مُوثقة باسم الدكتور نبهان من الجامعة الأردنية لتسهيل دخوله أرشيف المكتبة الخاصة بها والاستفادة من دراسات الماجستير وأطروحات الدكتوراة المتوفرة هناك. كذلك قمنا بجمع عدد من المراجع من مكتبة أمانة عمان ومكتبة مؤسسة شومان وغيرها، حاملين على عاتقنا توثيق الموسوعة بعد الطباعة والإضافة؛.
فالجهد كان يوميًا ومستمرًا لسنوات بين مختلف المكتبات والأماكن الأكاديمية، وبتكاليف مادية مرهقة. فيما بعد وقد استنزفت ماديا اقترحت أن المشروع بحاجة إلى دعم على مستوى الدولة وشركات وطنية ومؤسسات أكاديمية لتشكيل فرق عمل من الأساتذة الجامعيين المختصين كلٌّ في مجاله، بما يضمن تنفيذه بالشكل المطلوب وبما يعكس تطلعات الأردن في هذا الإطار. ورغم عدة محاولات للتواصل مع جهات دعم، إلا أن المشروع لم يلقَ المساندة التي كان يحتاج إليها. ومع جهود العديد من الشخصيات الوطنية التي رحبت بالفكرة، وعلى رأسهم الدكتور غازي الزبن الذي بذل الكثير من وقته وجهده لخدمة هذا العمل، ولا أوفيه حقه من العرفان، فالصعوبات ظلت قائمة وتوقفت الجهود مع وفاة صاحب الفكرة.وبعد سنوات، وجّهت الأمر نحو مبادرات أخرى.
عرضت المشروع على رئيس ملتقى النهضة للثقافة والتعليم الدكتور إبراهيم العوران وفتحنا باب التواصل مع شركات وطنية بهدف الحصول على تبني ورعاية للموسوعة، لكن لم تكلل هذه الجهود بالنجاح.
وأثناء زيارتنا ضمن وفد رسمي، بمعية الأستاذ الصحفي والإعلامي ماجد القرعان ونخب وطنية التقيت معالي رئيس الديوان الملكي يوسف حسن العيسوي بعد التقاط الصور التذكارية. وعند توديعه، أشرت له بصعوبات لموضوع متعلق بعمل الموسوعة الأردنية، وأوضحت أن الوقت لا يتيح شرحه بالتفصيل وأنه يحتاج لجلسة وموعد للنقاش. استجاب رئيس الديوان على الفور، وطلب من أحد موظفي مكتبه الخاص تسجيل رقم هاتفي وتحديد موعد للتواصل معي. ومع ذلك، لم يتم الاتصال لاحقًا ولم يجر اللقاء.
ومع ذلك، يبقى العمل مستمرًا وتظل أهمية السردية الوطنية الأردنية محورًا مركزيًا ليس فقط لتوثيق التاريخ بل لإعادة بناء أسس الهوية الوطنية وتقديم الرواية الأردنية للعالم بفكر فلسفي متجدد. السردية الوطنية تعد عنصرًا أساسيًا لتعزيز الانتماء الوطني بين الأجيال الحديثة، ولفهم حاضرهم والمشاركة في صياغة مستقبلهم. الأردن نجح عبر عقود في تشكيل روايات متعددة حول التأسيس والشرعية والهوية والصمود أمام الأزمات، إلا أن هذه الروايات ظلت متفرقة ومجزّأة دون تكامل حقيقي يجمعها في إطار سردي شامل يتفاعل مع التحولات الإقليمية والعالمية.
توجيهات سمو ولي العهد الحسين بن عبدالله الثاني أكدت أهمية صياغة سردية وطنية مُمنهجة كإطار معرفي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، مشددة على دورها في حماية الرواية الوطنية من التشويه ونقلها بحيادية وصدق للأجيال القادمة.
تُعد السردية الوطنية الأردنية اليوم أكثر من مجرد رواية تتحدث عن التاريخ؛ فهي تمثل إطارًا معرفيًا وثقافيًا يمزج بين الماضي والحاضر ويؤسس لرؤية مستقبلية تعزز الهوية الوطنية الشاملة. وقد شدد سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني على دور السردية الوطنية كوسيلة رئيسية لتعزيز الانتماء الوطني، تمكين الشباب، والعمل على حماية الرواية التاريخية للأردن من أي تحريف أو تشويه.
هذه السردية ليست مجرد قصص عن الماضي، بل هي مشروع وعي متجدد ينطلق من تجربة الإنسان الأردني منذ العصور القديمة، مرورًا بفترات تاريخية مهمة شملت الأدوميين، العمونيين، المؤابيين، الأنباط، الرومان، البيزنطيين، وانتهاءً بالعصر الإسلامي والعصر الحديث وتأسيس الدولة الحديثة.
تهدف السردية إلى جمع وتحليل مختلف محطات التاريخ التي تشكلت منها الهوية الأردنية، مع التركيز على عناصر محورية مثل الاعتدال، الاستقرار، التضامن الاجتماعي، التعددية، والانفتاح الإنساني.
كما تسعى إلى ربط السردية الوطنية بالمؤسسات الأكاديمية والإعلامية لتفعيل دورها في بناء وعي الأجيال الجديدة بهويتهم الوطنية وتعزيز قدرتهم على سرد الرواية الأردنية بكفاءة وإقناع.
وفي ظل الضوضاء العالمية وكثرة التداخلات بين الهويات والسرديات، تبرز الحاجة المُلحَّة لوضع خطاب وطني جديد ليس كترف فكري بل كأولوية وطنية؛ فالسردية ليست شعارًا عابرًا أو مجرد وثيقة سياسية، بل هي مشروع وعي متكامل يجيب على أسئلة الهوية، يفسر الماضي، يعطي الحاضر معناه ويشرف على الأفق المستقبلي. لطالما عانى الأردن من سرديات متباينة ومتداخلة، تنوعت بين روايات تراث الأصول والمنابت وروايات اللجوء والهجرة إلى جانب البناء والحداثة والوصاية الهاشمية في مواجهة التحديات الأمنية. لكن التعامل مع هذه الروايات كان غالبًا ما يأتي كرد فعل لحالات طارئة دون أن يُصبغ عليه طابع المشروع الوطني القائم على رؤية بعيدة المدى لبناء سردية مستقرة ومؤثرة.
وعليه تبرز الحاجة إلى إعادة تشكيل السردية الوطنية الأردنية برؤية تقوم على الثقة بالنفس بدلاً من الخوف من الآخر. سردية تعبر عن الذات منطلقة من المستقبل بقدر ما ترتبط بالجذور، مبنية على القوة الإيجابية التي تضيفها الهوية الأردنية بدلًا من الوقوف عند حدود ما يميزها عن الآخر.
أولاً: الجغرافيا السياسية وتحويل العبء إلى مصدر قوة تحملت الدولة الأردنية أعباء كونها جزءًا من منطقة مشتتة الأوضاع الجيوسياسية لوقت طويل، مما ساهم في رؤية الجغرافيا كعبء ثقيل. ومع ذلك، فإن التحولات الحديثة تفتح الباب أمام قراءة جديدة تجعل من موقع الأردن منصة حضارية تربط بين الشام والجزيرة العربية ونقطة توازن إقليمي. وبدلاً من النظر للجغرافيا كمعضلة دائمة، يمكن استغلالها كأساس لدور إقليمي ريادي ومبادر يعزز وجود الأردن كلاعب أساسي لا تابع أو محايد.
ثانيًا: الهوية.. من التشرذم إلى التوحد. تشير معظم الأطروحات الفكرية إلى أن التنوع الأردني ليس أزمة في ذاته، وإنما الإشكالية تكمن في تحويل هذا التنوع إلى انقسامات. تقدم السردية الوطنية الجديدة رؤية مختلفة تعتبر أن الهوية المدنية العليا لا تعني اختزال التنوع ولا نفيه، بل احتوائه في هوية جامعة تقوم على القيم التالية:
الولاء للدولة ومؤسساتها.
احترام التنوع دون جعله أداة تنافس قد تضعف الوحدة.
الانتقال من تصنيفات ترتكز على الأصل والمنبت إلى مفاهيم الفاعلية والمواطنة.
بهذا التصور تصبح الهوية الأردنية عامل توحيد واستقرار ومصدر قوة يعزز مشاركة الجميع في بناء المستقبل المشترك.
ثالثًا: الإنسان الأردني.. القصة التي لم تُروَ بعد
الكتابات جميعها تلمّح إلى فجوة: أن الإنسان الأردني هو الحلقة الأكثر غيابًا عن خطاب الدولة.
فالسردية لم تتحدث عن طموحه، قلقه، أحلامه، كفاءته، ونجاحاته، رغم أن هذا الإنسان كان وما يزال أهم ثروات البلاد.
السردية الجديدة تجعل الإنسان مركز القصة، لا هامشها، من خلال:
الاحتفاء بالإبداع والإنجاز والفعل الإيجابي.
إبراز قصص النجاح بدل الاكتفاء بسرديات الثبات أو النجاة.
إعادة تعريف الأردني كفاعل لا كموضوع للرعاية أو الحماية.
رابعًا: التاريخ… سردٌ بلا تمجيد، ووعي بلا إنكار
السردية المطلوبة لا تعيد كتابة التاريخ، بل تعيد قراءته:
التجربة الأردنية لم تكن خطًا مستقيمًا بلا عثرات؛ كانت مزيجًا من بناء الدولة، واحتواء التحولات، واجتياز التحديات.
لكن الروايات المتداولة كثيرًا ما تميل إلى التمجيد أو النقد المفرط.
السردية الحديثة تعتمد منهجًا ثالثًا:
قراءة نقدية للتاريخ دون هدم رموزه.
استعادة قيم القيادة الهاشمية، خصوصًا الوصاية على القدس، بوصفها ركيزة هوية سياسية وأخلاقية.
تحويل التجربة التاريخية إلى مصدر تعلم وفهم لا إلى سجال سياسي.
خامسًا: الدولة.. من "دولة النجاة” إلى "دولة المبادرة”
خطاب الدولة التقليدي قائم إلى حد كبير على حماية الاستقرار، والنجاة من الأزمات، وتعظيم الثبات.
لكن الأجيال الشابة تريد سردًا آخر: سردًا يرى الأردن قادرًا على المبادرة، وإنتاج الأفكار، والانخراط الفاعل في الاقتصاد العالمي، والتحول إلى قوة ناعمة.
السردية الوطنية الجديدة يجب أن تقدم الدولة بوصفها:
منتجة للفرص لا مجرد كابحة للمخاطر.
صانعة للسياسات لا مستجيبة للظروف.
دولة قانون وعدالة تضمن الثقة بين المواطن والمؤسسات.
سادسًا: القدس.. قلب السردية ومحورها
تتقاطع الآراء على أن القدس والوصاية الهاشمية ليست ملفًا سياسيًا بل محور هوية.
فهي البعد الأخلاقي والروحي الذي يشكل عمقًا للسرد الوطني ويمنح الأردن موقعًا تاريخيًا فريدًا.
إلا أن هذا الدور يحتاج من السردية الجديدة إلى تأكيد بعدين إضافيين:
البعد الإنساني المقاوم، والبعد الحضاري الذي يحمّل الأردن مسؤولية حماية الإرث والوجود العربي في المدينة.
سابعًا: العمران والمدينة.. الذاكرة المكانية هوية إضافية
المكان الأردني، من عمّان وجرش والطفيلة وإربد وصولًا إلى البادية والبحر الميت، يشكل ذاكرة حية لم تُستخدم بشكل كافٍ في الهوية الوطنية.
السردية الجديدة تتعامل مع المكان كجزء من تكوين الشخصية الأردنية:
المدينة، الجبال، الفضاء البدوي، الحضر، التراث، العمارة المعاصرة… كلها عناصر قادرة على خلق وحدة وجدانية تتجاوز الخطاب السياسي.
ثامنًا: التحدي الأكبر.. الانتقال من سردية الدولة إلى سردية المجتمع
لا تنجح أي سردية إن بقيت خطابًا رسميًا فوقيًا.
فالسردية الحقيقية هي تلك التي:
يولدها المجتمع ويعيد إنتاجها.
تتشكل في المدرسة والجامعة والشارع والبيت.
تتجسد في الفنون والأغاني والأفلام والمهرجانات والفضاء الرقمي.
تحوّل الانتماء من مشاعر عابرة إلى ممارسة يومية.
فالسردية الأردنية الجديدة ليست وثيقة حكومية ولا خطة إعلامية، هي قصة وطن، تعاد كتابتها على ضوء القرن الجديد، تستلهم ماضيًا ثريًا، وتستجيب لتحديات الحاضر، وتفتح آفاق المستقبل وهي مشروع طويل لا تقوم به الدولة وحدها، ولا المثقف وحده، ولا الجيل الجديد وحده، بل يقوم به الجميع.
فالأردن اليوم يحتاج سردية تقول: نحن لسنا أبناء الصدفة، ولسنا أسرى الجغرافيا، ولسنا حراس استقرار الآخرين؛ نحن صنّاع قيمة، وبناة فكرة، وحملة مشروع إنساني ممتد. وهذه هي القصة التي يجب أن تُروى.















