facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

خلدون الخطاب يكتب : رسالة ملكية ترسم ملامح التحول البنيوي في القوات المسلحة الأردنية

خلدون الخطاب يكتب : رسالة ملكية ترسم ملامح التحول البنيوي في القوات المسلحة الأردنية
بقلم: العميد الركن المتقاعد - خلدون عليدي الشمري الخطاب

تشكل الرسالة التي وجهها جلالة الملك عبدﷲ الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، وثيقة استراتيجية بالغة الأهمية، تؤسس لمرحلة جديدة في مسار تطوير وتحديث القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتسارع التهديدات وتغيّر طبيعة الحروب.

فالرسالة لا تندرج في إطار التوجيهات الروتينية، بل تحمل رؤية واضحة لتحول بنيوي مدروس خلال السنوات الثلاث المقبلة، يعكس إدراكاً عميقاً لمتطلبات الأمن الوطني الأردني، واستشرافاً واعياً لمستقبل الصراعات في الإقليم.

أبرز ما ورد في الرسالة هو توجيه جلالته بإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق زمنية محددة، بما يؤكد أن التطوير العسكري لم يعد خياراً مرحلياً، بل عملية مستمرة تقوم على التخطيط المنهجي، والتقييم الدوري، وربط الإمكانات العسكرية بالمتغيرات العملياتية والتكنولوجية.

ويشير استخدام مصطلح "التحول البنيوي” إلى أن المطلوب يتجاوز تحديث الأسلحة أو المعدات، ليشمل إعادة هيكلة التنظيم العسكري، وتطوير العقيدة القتالية، ومنظومات القيادة والسيطرة، وأنماط التدريب والإسناد، بما يضمن جاهزية القوات المسلحة لمواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية.

تعكس الرسالة قناعة راسخة بأن الجيوش القادرة على البقاء فاعلة هي تلك التي تتمتع بالمرونة والديناميكية، وقابلية إعادة التنظيم وفق مقتضيات الواقع. وقد أظهرت التجارب العسكرية في المنطقة أن الجمود التنظيمي والعقائدي يؤدي إلى استنزاف القدرات، حتى لدى الجيوش المتفوقة تسليحاً.

ومن هنا، يؤكد جلالة الملك على بناء قوات مسلحة رشيقة ونوعية، تمتلك عقيدة قتالية واضحة وبسيطة وقابلة للتطبيق، وتتقن أساليب الحرب الحديثة، بما يشمل الحروب الهجينة وغير المتماثلة، التي باتت السمة الغالبة في النزاعات المعاصرة.

جاءت الرسالة في سياق إقليمي حافل بالدروس العسكرية، حيث أثبتت النزاعات الأخيرة أن التفوق لم يعد مرتبطاً فقط بالقوة النارية، بل بالقدرة على توظيف التكنولوجيا، والأنظمة المسيرة، والذكاء الاصطناعي، والعمليات السيبرانية، ضمن منظومة متكاملة للقيادة والسيطرة واتخاذ القرار.

وقد أولى جلالة الملك اهتماماً خاصاً لمجال العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، باعتباره أحد ميادين التنافس الاستراتيجي المستقبلية، إضافة إلى التأكيد على حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والعملياتية، وتعزيز أمن منظومات الاتصالات والمعلومات.

تتضح الرؤية الشمولية في الدعوة إلى تعزيز قدرات قوات الاحتياط، ودراسة التوظيف الأمثل لوحدات حرس الحدود، والدرك، والشرطة الخاصة، ضمن الخطط التعبوية، بما يعزز التكامل بين مؤسسات الدولة الأمنية، ويرفع مستوى الجاهزية الوطنية لمواجهة مختلف السيناريوهات.

كما أن التركيز على تطوير منظومة الإسناد اللوجستي والاستدامة يعكس فهماً بأن الحروب الحديثة تُدار على أساس القدرة على الاستمرار، وليس فقط تحقيق إنجازات تكتيكية مؤقتة.

تؤكد الرسالة أهمية تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية من خلال إعادة توجيه دور المركز الأردني للتصميم والتطوير ليكون نواة حقيقية للبحث والتطوير والتصنيع العسكري المتقدم، بما يقلل من الاعتماد على الخارج، ويعزز الاستقلالية الدفاعية.

وفي السياق ذاته، يبرز التأكيد على إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للقوات المسلحة وفق أعلى معايير الحوكمة، باعتبارها جزءاً مكملاً لتعزيز الكفاءة والشفافية والاستدامة المؤسسية.

تحمل الرسالة الملكية عدة دلالات استراتيجية، أبرزها أن القوات المسلحة الأردنية تخضع لعملية تطوير مستمرة، قائمة على تقييم واقعي للتهديدات، واستفادة واعية من تجارب الحروب في المنطقة، وتكامل مدروس بين العنصر البشري والتكنولوجيا الحديثة.

وهي في الوقت ذاته رسالة طمأنة للداخل، وردع للخارج، بأن الجيش العربي سيبقى قادراً على حماية الوطن، وصون استقراره، ومواكبة التحولات المتسارعة في بيئة الأمن الإقليمي.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير