بعد هيكلة “الخدمة المدنية” وتشكيل هيئة بديلة.. ما مصير التوظيف؟
القبة نيوز - عقب الإعلان عن نية الحكومة إعادة هيكلة ديوان الخدمة المدنية، وتشكيل "هيئة الخدمة والإدارة العامة” وفقا لخطة التحديث الإداري، يبقى مصير التوظيف مجهولا بعد الإبقاء على قواعد بيانات المتقدمين في الديوان، فيما يثور السؤال حول ما إذا كانت ستناط بالهيئة الجديدة صلاحيات التوظيف أم ستنتقل هذه الصلاحيات إلى الدوائر والمؤسسات العامة، بحيث يكون دور الهيئة مجرد الرقابة على حسن سير الإجراءات وسلامتها، ومنحها حق إلغاء القرارات الإدارية المخالفة.
ويعزز هذا الغموض توضيحات الحكومة التي لم تكن كافية لجهة مصير مئات آلاف المتقدمين لطلبات التوظيف، وآليات العمل الجديدة، باستثناء الإعلان عن الابقاء على مخزون الديوان من الطلبات.
وفي السياق، يرى خبراء إداريون أن الحاجة الى هيئة وطنية لإدارة الموارد البشرية باتت مسألة ملحة، بحيث تنشأ بقانون وترتبط برئيس الوزراء، وتمنح صفة الضابطة العدلية لتكون قادرة على ممارسة مهامها.
واعتبروا في تصريحات منفصلة لـ "الغد”، أن نجاح الهيئة الجديدة في الرقابة الإدارية على دوائر
ومؤسسات القطاع العام والإشراف على تخطيط الموارد البشرية على مستوى القطاع العام، وتحديد وضبط الطلب على الموارد البشرية وفق أفضل الممارسات الدولية وبموجب القانون، سيكون مهما لكنه لا يفي بالغرض.
وتأتي تصريحات الخبراء في وقت تحتاج فيه "الهيئة” إلى ضمانات بأن تلتزم مؤسسات القطاع العام في الدولة بتطبيق سياسة وطنية للتوظيف ترتكز على مبدأ الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص، فيما يبقى دور الهيئة الرقابة على حسن سير الإجراءات وسلامتها.
وفي هذا الصدد، يؤكد خبير الإدارة العامة أمين عام وزارة تطوير القطاع العام، أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا، الدكتور عبدالله القضاة، أن وجود هيئة للخدمة والإدارة العامة ضرورة إدارية وطنية، لكن البعض يقترح، إضافة مهام وزارة تطوير القطاع العام الملغية لمهام ديوان الخدمة المدنية، وهذا سيكون فقط تكرارا لتجربة سابقة لم يكتب لها النجاح ولكن بثوب جديد، وقد تكون بالأشخاص ذاتهم بعيدا عن الرؤية التحديثية التي أرادها جلالة الملك للقطاع العام.
واضاف القضاة: "قبل الحديث عن أهمية الهيئة المرجوة؛ لا بد من بيان التحديات الرئيسة التي تواجهها الإدارة الحكومية في مجال الخدمة المدنية، وعلى رأسها ضعف الرقابة الإدارية الحقيقية على أعمال إدارة الموارد البشرية من تخطيط وتوظيف وتقييم…الخ.، إضافة إلى اعتماد مبدأ الأقدمية في التوظيف، وهذا أسلوب تقليدي يسهم في حرمان القطاع العام من استقطاب أفضل العناصر البشرية للعمل في مؤسساته، ناهيك عن اعتماد تسعير الشهادات بديلا عن الجدارات.
وقال إنه "في ضوء ما تقدم ووصولا الى تطبيق مركزية التخطيط لإدارة الموارد البشرية واللامركزية في التوظيف، تكمن الحاجة الى هيئة وطنية لإدارة الموارد البشرية تنشأ بقانون وترتبط برئيس الوزراء، وتمنح صفة الضابطة العدلية لتكون قادرة على ممارسة مهامها؛ ومن ذلك: الرقابة الإدارية على دوائر ومؤسسات القطاع العام كلها، والإشراف على تخطيط الموارد البشرية على مستوى القطاع العام، وتحديد وضبط الطلب على الموارد البشرية وفق أفضل الممارسات الدولية وبموجب القانون”.
وتابع: "على مؤسسات القطاع العام في الدولة الالتزام بتطبيق سياسة وطنية للتوظيف ترتكز على مبدأ الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص، وعندها تنقل صلاحيات التوظيف للدوائر والمؤسسات العامة، شريطة أن تراقب الهيئة حسن سير الإجراءات وسلامتها، وتعطى حق إلغاء القرارات الإدارية المخالفة”.
وزاد: "بموجب القانون أيضا؛ تكون الهيئة الخلف الإداري والقانوني لديوان الخدمة المدنية، ويمنحها القانون كل متطلبات القوة المؤسسية، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، اعتماد الهياكل التنظيمية والأوصاف الوظيفية، وتسعير الوظائف للدوائر والمؤسسات الحكومية”.
وأوضح انه "ربما يتم التساؤل هنا عن المرجعية الدستورية لإنشاء الهيئة، حيث إن المادة (120) من الدستور تنص على أن التقسيمات الادارية في المملكة، وتشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها وأسماءها ومنهاج إدارتها وكيفية تعيين الموظفين وعزلهم والإشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم، تعين بأنظمة
يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك، وبالتالي يتعذر إنشاء الهيئة بموجب قانون، فيما يرى البعض بأن تنشأ بموجب نظام الخدمة المدنية، أي تغيير المسمى فقط”.
وأضاف: "وكما هو معلوم، فالنظام لا يمكن أن يمنحها صفة الضابطة العدلية، وبالتالي فهم بهذا التفسير يضعون العربة أمام الحصان، وهناك بعض من كبار المسؤولين يدفع بهذا الاتجاه”.
وتابع: "الحل الإداري والقانوني برأيي هو أن تنشأ الهيئة بموجب قانون يعطيها جميع الصلاحيات الممكنة، وفي الوقت نفسه تصدر أنظمة للموارد البشرية استنادا للمادة (120) من الدستور، وليس بالضرورة بموجب نظام واحد، فربما يكون هناك نظام خاص للمعلمين، وآخر لأطباء وزارة الصحة، وآخر للوظائف المساندة في الجهاز الحكومي وهكذا، وفي كل الأحوال تعطى الهيئة سلطة الرقابة على تطبيق هذه الأنظمة”.
واستطرد: "عندها ستتولى كل مؤسسة عملية التوظيف بعد أن تأخذ موافقة الهيئة على شواغرها ومواصفاتهم، متضمنة أجور الوظائف، ويكون التنافس على شغل هذه الشواغر من خلال الإعلان عنها في المحافظات والألوية، وضمن إجراءات التوظيف التي يتم تشريعها بأعلى درجات النزاهة والشفافية التي تعتمد على الكفايات الأساسية وليس الأقدمية، وبعيدا عن عملية الدور المعمول بها حاليا”.
وأضاف: "كما يمكن مد مظلة تطبيق رقابة الهيئة لتشمل، إضافة لجهاز الخدمة المدنية، كافة وظائف القطاع العام في جميع الهيئات والجامعات الرسمية، إضافة لأمانة عمان والبلديات، وكذلك الشركات الحكومية المملوكة بالكامل للحكومة أو مؤسسة الضمان الاجتماعين والتي تبلغ مساهمة الحكومة في رأس مالها (50 %) فأكثر”.
بدوره، بيّن مدير عام معهد الإدارة العامة السابق، الدكتور راضي العتوم، أن "تحويل ديوان الخدمة المدنية الى هيئة موارد بشرية، أو أي تسمية، يعتمد على الدور الذي ستقوم به الهيئة، فإذا كان التغيير بالاسم فقط، فإن الأمان التوظيفي للباحثين عن العمل في القطاع العام لن يتغير عليه الكثير؛ من حيث تراكم عدم الثقة بأسلوب التوظيف للديوان؛ ولا أدلّ على ذلك من المشادة الكلامية التي جرت مؤخرا بين وزير العدل وأحد نواب الأمة”.
واضاف العتوم: "في الحقيقة، يبحث المواطن عن أي هيئة حكومية تمنحه حقه في المنافسة والحصول على وظيفة عند استحقاقها، حتى لو تنافس معه ابن وزير او نائب او عين او احد كبار موظفي الأجهزة الأخرى، وبالتالي فالتحدي هو أن تُنشئ الحكومة دائرة تطبق القوانين والأنظمة والتعليمات بكل نزاهة وشفافية وانصاف”.
وتابع: "ثم إنه بعملية تعديل مسمى الديوان وتغيير بعض الأدوار، أين سيذهب الموظفون، وهل ستتغير مسمياتهم الوظيفية ووصفهم الوظيفي؟ وهل سيتغير تصنيف الوظائف اذا كان هناك تغيير حقيقيا في لعب الأدوار؟ وأين ستذهب القيادات، وهل ستبقى رغم الحاجة لتغيير عقلية الإدارة، ورتابة القرارات وتمايلها مع الضغوطات من كل طرف؟”.
وتساءل: "كيف سيكون حال الهيئة، هل سيكون لها مجلس إدارة، وذات استقلالية، أم ستتكرر أخطاء سابقة وموجودة؟ وهل سيرتبط رئيس الهيئة بوزير كما الإحصاءات العامة، أو بشخص واحد تتمركز السلطات بيده؟ كلها أسئلة ينبغي أن يجيب عليها المُخطّط والمهندس لهذا التغيير، فليس كل تغيير إيجابيا، وليكون كذلك لا بد من التطوير والتحديث، وتعزيز التجارب الناجحة محليا وعالميا”.
وعبر العتوم عن أمله بأن تتخذ الحكومة قرارات رشيدة تأتي من دراسة وتحليل عميقين من خبراء محليين لا يشاركهم أصحاب القرار لا في الرأي، ولا التوجيه، ولا النتائج ولا التوصيات، وإن تحقق هذا نكون قد بدأنا المسير السليم نحو التطوير والتحديث.
يذكر أن رئيس ديوان الخدمة المدنية سامح الناصر قال في تصريح سابق لـ”الغد” إن تغيير مسمى الديوان إلى "هيئة الخدمة والإدارة العامة” من شأنه تعزيز دور الديوان وتطوير مهامه ومسؤولياته، حيث تم إخضاع مسؤوليات عديدة لعمل الديوان، منها تطوير الأداء المؤسسي والرقابة على شؤون الموظفين والوظيفة العامة، وتعزيز المساءلة لدى الموظفين تحت بند الثواب والعقاب، وكذلك تطوير الثقافة المؤسسية لتعزيز القيم والاعراف المحفزة لدى الموظفين وإبراز المبدعين وفرزهم.
وأضاف الناصر أن هذا التغيير سيحفز الديوان على تغيير وتطوير قدرات العاملين في مكاتب خدمات الجمهور من خلال عمليات التدريب، وكذلك تطوير الموارد البشرية في الدوائر المختلفة.
وبين أنه بموجب ذلك ستنسحب من الديوان بعض المهام، مثل اجراءات التعيين التي سيتم إيكالها للأمناء العامين في الدوائر المختلفة في نهاية العام 2024، علما أن الديوان سيبقى يراقب ويقدم الإسناد الفني وتحقيق الكفايات لدى من سيتم تعيينهم.
وأكد الناصر اعتزازه بكوادر الديوان ومعهد الادارة العامة الذي اصبح خاضعاً لديوان الخدمة المدنية منذ العام 2019، حيث تم تدريب الكثير من العاملين في الديوان ومعهد الإدارة العامة خلال الفترة الماضية، على كيفية التعامل مع المهام الجديدة الموكلة اليهم، وهذا ما سيلمسه المواطن خلال الفترة المقبلة.
















