facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصره يكتب الفصل التاسع: جدارا اليوم - صراع الحجر والبشر

الصحفي رفاد العياصره يكتب الفصل التاسع: جدارا اليوم  صراع الحجر والبشر
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة 

مدينة انشطرت إلى نصفين.. وما زالت تقاوم

تخيل أنك تقف الآن في مكان واحد، لكنك في زمنين مختلفين في نفس اللحظة.
على يمينك، مدينة ماتت قبل ألفين سنة، أعمدة مكسورة، مسرح يصرخ بلا صوت، شوارع حجرية مشت عليها الفلاسفة قبل أن تولد روما نفسها.
وعلى يسارك، بيوت ما زالت تتنفس، نوافذها مفتوحة، رائحة القهوة تخرج منها، وأطفال يلعبون فوق حجارة عمرها ألفين سنة ولا يعرفون أنهم يلعبون فوق التاريخ.

هذه هي جدارا اليوم. ليست مدينة واحدة، بل مدينتان تتصارعان على نفس الحجر، ونفس الأرض، ونفس الحكاية.

مدينة تحاول أن تبقى حية، ومدينة تحاول ألا تموت.
: جدارا مقسومة لنصفين*

النصف الأول: نصف الآثار.. المدينة التي تحاول أن لا تنسى نفسها

نصف جدارا الأول، هو النصف الذي تعرفه الكتب. هو نصف الآثار.

هناك، تحاول دائرة الآثار، بكل ما تملك من أدوات بسيطة وإمكانيات قليلة، أن ترمم ما كسره الزمن والزلازل واللصوص.

كل حجر يعيدونه إلى مكانه، هو حجر يعيد جزءاً من روح المدينة. كل عمود يقف من جديد، هو كأن فيلسوفاً قديماً عاد ليجلس عليه ويقول: أنا ما زلت هنا.

ولكن الترميم وحده لا يكفي. فالآثار بدون بشر، تصبح مثل جثة جميلة، محنطة، بلا قلب. جميلة للتصوير، لكنها باردة، لا تضحك، لا تبكي، لا تتكلم.

وهذا هو التحدي الأول: كيف نجعل هذه الآثار تعيش من جديد، لا أن تبقى مجرد حجارة للسياح يلتقطون معها صورة ويمشون؟

النصف الثاني: نصف أم قيس القديمة.. البيوت التي سرقت الحجر لتصنع الحياة

أما النصف الثاني، فهو أغرب وأجمل حكاية في جدارا كلها.

عندما جاء العثمانيون قبل مئات السنين، لم يبنوا بيوتهم من حجارة جديدة. بل فعلوا شيئاً ذكياً جداً، وشيئاً مؤلماً جداً في نفس الوقت.

لقد أخذوا حجارة جدارا نفسها، حجارة المعابد والمسارح والمدارس، وبنوا بها بيوتهم.

تخيل: حجر كان يوماً جزءاً من معبد، صار اليوم جداراً لغرفة نوم. حجر كان يجلس عليه فيلسوف، صار اليوم عتبة باب لبيت . حجر كان يشهد على التاريخ، صار يشهد على حكاية عائلة جديدة.

لهذا، بيوت أم قيس القديمة ليست بيوتاً عادية. هي بيوت جميلة جداً، لأنها مبنية من تاريخ. كل بيت فيها هو متحف صغير، كل شباك فيها يطل على ألفين سنة من الحضارة.

واليوم، تحولت هذه البيوت إلى متاحف ومطاعم، تطل مباشرة على فلسطين. تجلس فيها، تشرب قهوتك، وتنظر أمامك، فترى بحيرة طبريا، وترى الجولان، وترى فلسطين كلها أمامك كأنها على بعد خطوة واحدة. كأنك تجلس على حافة التاريخ، وتشاهد الجغرافيا كلها.

الصراع الحقيقي: ليس الزلازل.. بل الإهمال

يسأل الناس دائماً: ما هو أكبر خطر على جدارا؟ هل هي الزلازل التي دمرتها قديماً؟

والجواب الصادم هو: لا.

الزلازل ضربت جدارا مرة، وكسرتها، لكن جدارا عادت ووقفت. أما عدم الاهتمام ، فهو يضربها كل يوم، بهدوء، بدون صوت، بدون أن يشعر به أحد.

عدم الاهتمام هو أن تكون عندك مدينة علمت روما الفلسفة، مدينة خرج منها فلاسفة وشعراء وعلماء، مدينة كانت من أهم عشر مدن في العالم القديم، ثم لا يزورها اليوم إلا القليل.

القليل! هل تتخيل؟ مدينة بهذا العظمة، بهذا الجمال، بهذا الإطلالة التي لا توجد في أي مكان في العالم، يمر عليها الناس مرور الكرام، ويذهبون إلى أماكن أقل منها بكثير، لأننا لم نعرف كيف نحكي حكايتها للناس.

عدم الاهتمام هو أن نترك هذا الكنز وحيداً، بلا دعاية، بلا اهتمام، بلا طريق يليق به، بلا خدمات تليق بزائره. الإهتمام هو أن نجعل جدارا مدينة للأشباح، بينما هي تستحق أن تكون مدينة للحياة.

: جدارا تناديكم*

جدارا اليوم ليست مجرد آثار، وليست مجرد بيوت قديمة. جدارا اليوم هي سؤال كبير يصرخ في وجهنا جميعاً:

هل سنترك الحجر يموت وحيداً؟ أم سنعيد له البشر؟

هل سنترك المدينة التي علمت العالم الفلسفة، تموت من عدم الاهتمام؟ أم سنعود إليها، نزورها، نحكي قصتها لأبنائنا، ونجعلها تعيش من جديد؟

الحجر ما زال صامداً، ينتظرنا منذ ألفين سنة. السؤال هو: هل نحن ما زلنا نستحق هذا الحجر؟
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير