facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

ما بعد حادثتي حمود واستشهاد جواد السلايطة: أسئلة الدولة والمجتمع في مواجهة التطرف والإرهاب

ما بعد حادثتي حمود واستشهاد جواد السلايطة: أسئلة الدولة والمجتمع في مواجهة التطرف والإرهاب
بقلم: الدكتورة عبير منيب البرماوي

القبة نيوز - إن الأحداث الأمنية التي شهدها الأردن مؤخراً، والمتمثلة في حادثة حمود بمحافظة الكرك، وما رافقها من تداعيات، وصولاً إلى استشهاد العريف جواد السلايطة أثناء تأدية واجبه الوطني، تفرض علينا تجاوز مرحلة التوصيف والإدانة إلى مرحلة التحليل والمراجعة وتقييم الاستجابة المؤسسية.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام وصنّاع القرار ليس فقط ما الذي حدث، وإنما ما الذي يجب أن يحدث بعد ذلك؟ وكيف يمكن تحويل هذه الأحداث إلى نقطة انطلاق لمراجعة منظومة الوقاية من التطرف، وتعزيز الأمن المجتمعي، وتطوير آليات الاستجابة للمخاطر التي تهدد استقرار الدولة؟

إن خطورة التطرف لا تكمن في نتائجه الأمنية المباشرة فحسب، وإنما في البيئة الفكرية والاجتماعية التي قد تسمح بنموه وتحوله إلى سلوك عنيف. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب رؤية شمولية لا تختزل مفهوم مكافحة الإرهاب في الإجراءات الأمنية، على أهميتها وضرورتها، بل تمتد إلى معالجة العوامل الفكرية والتربوية والاجتماعية التي تسهم في إنتاجه أو تهيئة الظروف لانتشاره.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من التساؤلات التي تستحق نقاشاً وطنياً ومؤسسياً جاداً:

أولاً، هل تمتلك مؤسساتنا منظومة متكاملة للإنذار المبكر ورصد مؤشرات التطرف، بما يضمن الانتقال من الاستجابة اللاحقة للأحداث إلى الوقاية الاستباقية منها؟

ثانياً، إلى أي مدى تقوم المؤسسات التعليمية بدورها في بناء الوعي النقدي وتعزيز ثقافة الاختلاف وقبول الآخر؟ وهل أصبحت التربية على المواطنة والحوار جزءاً أساسياً من الممارسات التعليمية، أم أنها ما تزال محصورة في الأطر النظرية والمناهج التقليدية؟

ثالثاً، ما مدى فاعلية التنسيق بين المؤسسات الأمنية والتربوية والدينية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والتكفير؟ إذ إن مواجهة التطرف مسؤولية وطنية مشتركة، وإن كانت الدولة تتحمل مسؤوليتها الأساسية في حماية المجتمع وإنفاذ القانون.

رابعاً، ما الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لتعزيز حماية المنشآت الحيوية ودور العبادة، ورفع كفاءة الاستجابة الأمنية، وتقييم أي ثغرات محتملة في منظومة الحماية، دون المساس بحقوق المواطنين وحرياتهم التي يكفلها الدستور؟

إن استشهاد العريف جواد السلايطة يمثل خسارة وطنية وإنسانية، ويعيد التأكيد على حجم المسؤولية التي يتحملها رجال الأمن في حماية المجتمع. كما أن الاعتداء على أماكن العبادة لا يمكن النظر إليه باعتباره استهدافاً لموقع بعينه، بل هو مساس بمبدأ التعايش وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وهما من المرتكزات الأساسية لاستقرار المجتمع الأردني.

ومن منظور أكاديمي، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تقييماً مؤسسياً موضوعياً للحوادث، والاستفادة من نتائج التحقيقات الرسمية، وتحديد مواطن الخلل إن وجدت، ووضع مؤشرات قابلة للقياس لتقييم فاعلية السياسات الوطنية في الوقاية من التطرف ومكافحته. فنجاح السياسات العامة لا يقاس بمدى سرعة إصدار بيانات الإدانة، وإنما بقدرتها على منع تكرار الأزمات وتقليل المخاطر وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

كما ينبغي عدم السماح لهذه الأحداث بأن تتحول إلى مدخل للاستقطاب المجتمعي أو إثارة النعرات الدينية أو المناطقية. فالتطرف لا يواجه بإنتاج خطاب مضاد قائم على الإقصاء، وإنما بتعزيز سيادة القانون وترسيخ المواطنة المتساوية، وتأكيد أن المسؤولية الجنائية فردية، وأن المحاسبة تستند إلى الأدلة والنتائج القضائية.

إن الأردن يمتلك رصيداً تاريخياً واجتماعياً في التعايش والوحدة الوطنية، إلا أن المحافظة على هذا الرصيد تتطلب عملاً مستمراً، وتطويراً في السياسات العامة، واستثماراً حقيقياً في التعليم والشباب والمؤسسات المجتمعية.

وعليه، فإن السؤال الجوهري الذي أطرحه اليوم ليس ماذا حدث في حمود؟ ولا ماذا بعد استشهاد جواد السلايطة؟ بل: هل سنكتفي بالتعامل مع نتائج التطرف، أم سننتقل إلى معالجة أسبابه وبناء منظومة وطنية قادرة على الوقاية منه؟

إن الوفاء للشهداء والضحايا لا يتحقق بالخطابات وحدها، بل بتحويل التضحيات إلى مراجعات جادة وإصلاحات مؤسسية وإجراءات ملموسة تضمن حماية الإنسان والأرض والدولة.

فالأمن الوطني ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، وتتأسس في المدرسة والجامعة، وتتجسد في مؤسسات الدولة، وتترسخ من خلال وعي المجتمع وتمسكه بقيم المواطنة وسيادة القانون.

حفظ الله الأردن آمناً مستقراً، ورحم شهداءه، وحمى أبناءه من كل فكر يستبيح الدم أو يهدد وحدة المجتمع.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير