الصحة النفسية في مدارسنا.. بين التنظير والواقع
بقلم :- محمود السحوم أبو ريشة - إدارة تربوية
مع حلول يوم الصحة النفسيةالعالمي في العاشر من تشرين الأول من كل عام، وانطلاقاً من شعار هذا العام 2026 *" لننصت إلى أصوات من يعيشون التجربة من أجل تغيير في صميم الواقع"
وهو الشعار الذي يدعو إلى إشراك أصحاب التجارب الشخصية في تصميم السياسات والخدمات بدل الاكتفاء بالاستماع لقصصهم .
تعود نفس الشعارات والخطب.
"بيئة مدرسية آمنة"، "دعم نفسي للطلبة"، "مدرسة خالية من التنمر".
شعارات جميلة على الورق، لكن من يعيش يومياً داخل أسوار المدرسة يعرف أن المسافة بين الورق والواقع كبيرة.
أكتب لكم هذا المقال ليس ككاتب تربوي، بل من واقع الميدان التربوي كمدير مدرسة أتابع بنفسي يوماً بيوم المشاكل النفسية والسلوكية لطلبتي.
- على الورق.. كل شيء موجود
في الخطط التطويرية يوجد بند ثابت اسمه "بيئة مدرسية آمنة وداعمة"، وفي مناهجنا الجديدة دروس عن المهارات الحياتية. ونظرياً، يفترض أن يجد الطالب الذي يعاني من انطواء أو قلق أو ظرف أسري، غرفة إرشاد ومتخصصاً يستمع إليه بسرية.
ورغم الجهود المتواصله والمشكوره عليها وزاراة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية واقسام الصحة النفسية في مديريات التربية والتعليم ورغم الخطط الموضوعه بمحاربة العنف والتنمر بالمدارس. والاهتمام بالصحة النفسية للطالب
وإعتبار الطالب هو محور العملية التعليمية
وكذلك الاهتمام بالتشاركية المجتمعية والدور الهام التي تلعبة مجالس التطوير التربوي
وايجاد مستشار تطويري لكل مدرسة يكون مساندا لها.
الا ان الموضوع مرتبط بالوعي الجمعي لجميع العاملين بالميدان التربوي من معلمين ومرشدين وقيادات تربوية وكذلك ونتيجة مخزون تعليمي قديم لربما عاشة اغلب المعلمين في المدارس اثناء تعليمهم. .
ونتيجة المخزون الموروث لثقافة المجتمع بشكل عام ومدى انسجام وتعاون اولياء الامور مع المدارس
- ومن واقع الميدان ..
في مدرستي، أنا من يجلس مع الطالب الذي تشاجر مع زميله في الساحة، وأنا من أستدعي الطالب المنطوي الذي يجلس وحيداً، وأنا من أحاول أن أفهم لماذا يتنمر طالب على زميله داخل الصف أو في الساحة، ولماذا يتغيب طالب عن المدرسة بكثرة، ولماذا يحاول طالب الاستيلاء على مصروف زميله.
ومن هنا، من غرفة الإدارة،
اكتشفت ما لا تظهره التقارير
نحن نتعامل مع السلوك الظاهر وننسى السبب الخفي. الطالب كثير الحركة نصفه بـ "المشاغب" ونعاقبه، بينما هو في الحقيقة يحتاج من يفهمه لا من يوبخه. والطالب الذي يرفض المشاركة في الحصة ليس كسولاً، بل خائفاً من سخرية زملائه إذا أخطأ.
هناك سلوك ظاهره خلل في الطالب، وباطنه مشكلة أسرية لا نعلم عنها شيئاً.
طلبتنا يعيشون ضغطاً هائلاً. ست أو سبع حصص يومياً، واجبات، وامتحانات متتالية، وفوق ذلك اتصال من ولي أمر يقول: "أستاذ أريد ابني من الأوائل بأي ثمن".
هل ثمنه أن يبقى الطفل قلقاً لا ينام وخائفاً من العودة إلى البيت بعلامة أقل من المتوقع؟ لقد حولنا التعليم إلى سباق علامات، ونسينا حقيقة تربوية بسيطة: الطالب القلق لا يحفظ، والطالب الخائف لا يبدع، والطالب المتنمَّر عليه يكره المدرسة.
حتى التنمر الذي نتحدث عنه في الإذاعة المدرسية، أراه كل يوم بشكل مختلف. ليس ضرباً في أغلب الأحيان، بل كلمات جارحة: "ما هذه الحقيبة القديمة؟"، "أنت سمين"، "أنت قصير"، "أنت فاشل". كلمات نراها عابرة، لكنها تبيت في صدر الطالب وتكبر معه.
- ومن واقع تجربتي.. كان لا بد من ايجاد حلولاً تطبق على ارض الواقع حسب الإمكان
لأنني أعيش التجربة وأؤمن أن الصحة النفسية لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى سلوكيات يومية بسيطة، بدأت بتطبيقها في مدرستي:
- أولاً
اتفقت مع زملائي المعلمين أن يسأل عن الحال قبل السؤال عن الدروس والواجبات. دقيقة اهتمام واحدة قد تغير يوم الطالب كاملاً.
- ثانياً
- احتضنا هوايات الطلبة وأنشطتهم. قد يكتب طالب قصة، فمن خلالها نفهم سبب سلوكياته. حاولنا تفريغ طاقة الطالب وتوجيهها في الاتجاه الإيجابي، من خلال الرياضة والرسم والمسرح والكتابة.
- ثالثا
- احترمنا مبادراتهم. أي فكرة أو مبادرة من طالب نعتني بها ونشاركه تنفيذها مع أحد الزملاء المعلمين. عندما يشعر الطالب أن فكرته مهمة، غالبا تتغير سلوكياته
- رابعاً
الاستماع والحوار. أعطيت الطلبة الفرصة الكاملة للتعبير عما لديهم.أثناء تواجدهم بالادارة - رغم المهام الكثيرة الاخرى
-- أستمع لمشاكلهم وأتحاور معهم بهدوء، وأنزل إلى مستوى مرحلتهم العمرية لفهم سلوكياتهم ومخاطبتهم بلغة تناسبهم.
- خامساً
التحفيز والتكريم. التحفيز ثم التحفيز لتعديل السلوكيات السلبية. التكريم عنصر أساسي للتغيير، فكلمة تشجيع أمام زملائه قد تصنع منه طالباً آخر. وتوثيق كل انشطتهم ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي ليكون ذلك محفزا لهم ولغيرهم من الطلبة ولإسرهم
- رسالة أخيرة لأولياء الأمور
أنتم خط الدفاع الأول. ابنكم لا يحتاج إلى حقيبة فاخرة او ملابس باهظة الثمن بقدر ما يحتاج أن يسمع منكم جملة واحدة: "أنا فخور بمحاولتك، وليست العلامة هي كل شيء". الأمان في البيت هو أساس الأمان في المدرسة.
في الختام، الصحة النفسية ليست بوستراً نعلقه في 10 تشرين وننساه في 11 تشرين.
وهذه مهمة مجتمعية ايضا ولا تخص وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية والعاملين في القطاع التربوي فقط.
إنها أسلوب حياة يومي. نحن بحاجة إلى مدرسة تُنصت وتسمع، قبل أن تكون مدرسة تُدرّس .
















