facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي العياصرة يكتب : جرش قبل أن يصبح اسمها جرش.. من سكن الكهوف قبل الأعمدة؟

الصحفي العياصرة يكتب : جرش قبل أن يصبح اسمها جرش.. من سكن الكهوف قبل الأعمدة؟
بقلم - الصحفي : رفاد العياصرة 

تخيل المشهد قبل عشرة آلاف سنة، جرش لم تكن جرش.

الوادي الذي ترى فيه اليوم الأعمدة الرومانية كان غابة لا يمكن اختراقها، أشجار بلوط وملول كثيفة، وحوش، ومياه تتدفق من كل شق، مستنقعات. لذلك لم ينزل الإنسان إلى الوادي أولاً، بل صعد إلى التلال.

أول شرنقة لجرش كانت في العصر الحجري الحديث، العصر الذي قرر فيه الإنسان أن يتوقف عن الركض وراء الصيد وأن يزرع. حوالي سنة 7500 قبل الميلاد وصلت جماعات بشرية إلى تلال جرش الشمالية، خصوصاً في منطقة تل أبو الصوان وتل دير الليات وسفوح جبل أم الدرج في سوف. لماذا هناك؟ لأن الأرض هناك منبسطة قليلاً، قريبة من عيون الماء، ومكشوفة للشمس.

هذه المستوطنات لم تكن قرى بالمعنى المفهوم، كانت أكواخاً دائرية من الطين والتبن والقش، أساساتها من حجر، سقوفها من أغصان الشجر. وجد علماء الآثار تحت ترابها آلاف القطع، سكاكين صوانية مشحوذة ببراعة لدرجة أنها تقطع الجلد، ورؤوس سهام، ومناجل من الصوان لا تزال تحمل بريق سنابل القمح التي حصدتها قبل آلاف السنين. ووجدوا الأهم، رحى حجرية ضخمة لطحن الحبوب، وأواني فخارية بدائية جداً محروقة على النار، وصوامع لتخزين القمح. هذا يعني أن إنسان جرش الحجري كان أول فلاح في شمال الأردن، اكتشف أن سهل جرش إذا زرعته يعطيك ذهباً.

وكان بيته الحقيقي هو الكهوف والمغاور. جرش كلها مثقوبة، جبالها كلسية هشة، الماء حفر فيها مئات المغارات عبر ملايين السنين. مغارة الظهر في سوف، ومغاور وادي الطواحين، ومغاور جبل المنارة، كلها تحولت إلى بيوت. تدخلها اليوم فتجد طبقات، طبقة رماد سوداء من نار أشعلها إنسان قبل سبعة آلاف سنة، فوقها طبقة عظام حيوانات، غزال ووعل وخنزير بري، فوقها طبقة فخار مهشم. كان يعيش في الكهف في الشتاء لأنه دافئ، ويخرج ليزرع في الصيف.

ثم جاء العصر البرونزي المبكر، حوالي 3200 قبل الميلاد، وهنا حدث الانقلاب الكبير. ازداد عدد السكان فلم تعد الكهوف تكفي، وبدأ الإنسان يبني مدناً صغيرة محصنة فوق التلال. في تل جرش نفسه، تحت معبد أرتميس الروماني، وجدت بعثات التنقيب جدراناً برونزية، وتحت الساحة الرئيسية وجدوا مقبرة برونزية كاملة. وفي تل الحصن القريب وتل ماري الياس وجدوا ما يثبت أن جرش كانت جزءاً من شبكة مدن كنعانية متصلة، تتاجر مع بيسان وأريحا وجبيل.

الدلائل الأثرية في هذه الفترة أصبحت أوضح وأغنى، لم تعد مجرد سكين صوان، بل أصبحت ختماً اسطوانياً من حجر يختم به التاجر بضاعته، وجدوا أقراطاً نحاسية، وأسلحة برونزية، وجراراً ضخمة مدفونة فيها أطفال مع تمائم من العقيق، وهذا يدل على أنهم أصبحوا يؤمنون بعالم بعد الموت، وأن جرش كان لها دينها الخاص قبل زيوس وأرتميس.

فمن سكن جرش قبل أن يكون لها اسم؟ لم يكن شعباً واحداً. سكنها أولاً الإنسان النطوفي، الصياد الطويل القامة الذي رسم الوعول على الصخور، ثم سكنها الفلاح الغسولي الذي جاء من الجنوب وعلمنا كيف نصنع الفخار الملون، ثم سكنها الأموريون والكنعانيون، سكان جلعاد الذين ذكرتهم النصوص المصرية باسم بلاد جاورشي، وهي أول ذكر محتمل لاسم جرش، ومعناها الأرض الخشنة كثيرة الأشواك.

هؤلاء كلهم لم يبنوا أعمدة، لكنهم بنوا الأهم، بنوا فكرة جرش. هم من اكتشف عيونها، وهم من شق أول طريق بين تلالها، وهم من زرع أول زيتونة لا تزال جذورها إلى اليوم تحت تراب المدينة. جرش الرومانية لم تنزل من السماء، بل خرجت من تلك الشرنقة الحجرية في كهوف سوف وتلال دير الليات، من رحم إنسان بسيط قرر قبل ثمانية آلاف سنة أن هذا الوادي يستحق أن يعيش فيه.

تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير