الحجاج يوجه رساله لرئيس الديوان الملكي العامر ومستشارية
ألى معالي السيد يوسف العيسوي رئيس الديوان الملكي العامر وألى معالي كنيعان البلوي مستشار جلالة الملك لشؤون العشائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
بناء على مراقبة الاجتماعات المستمرة التي جرت من خلالكم مع الوجهاء من كافة أنحاء المملكة الأردنية الهاشمية، وبناء على ما يتم تداوله في الأوساط العشائرية والاجتماعية، وحيث إننا قانونيون ومعنيون ومسؤولون بشكل مباشر بهذا الأمر، فإننا نطرح لمعاليكم وجهة نظرنا ورؤيتنا حول مسألة الجلوة والأعراف والتقاليد التي باتت تشكل مصدر قلق حقيقي للمجتمع، ونحن في دولة قانون ومؤسسات، يفترض أن تلغى فيها كل هذه القوانين والأعراف التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وهنا يبرز تساؤل مشروع يطرحه العقل والواقع: لماذا جميع الدول العربية من حولنا، إما يتم فيها تطبيق الشريعة في الحدود والقصاص أو التحويل الكامل للقضاء المدني، ولم نسمع لديهم بتهجير الأبرياء؟ برغم أن تلك الدول الشقيقة تضم قبائل وعشائر معروفة بسطوتها وقوة بأسها وكثرة عددها، لكنها التزمت التزاماً تاماً بعد قيام تلك الدول بما يفرض عليها من نظام وقانون، والجميع هناك ملتزمون به دون تفرقة. ومع ذلك، فقد حافظت تلك القبائل في الدول المجاورة على عاداتها وتقاليدها الطيبة التي تدعو إلى الألفة والمحبة والتسليم والتسامح والاحترام، وطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وطاعة ولي الأمر، فلماذا نصر نحن على بقاء أعراف تشرد عائلات بأكملها؟
إن هذه الأعراف والتقاليد، وفي مقدمتها الجلوة، كان يفترض تاريخيا ومنطقيا أن تنتهي تماما وتطوى صفحتها عند منع الغزو بين القبائل الأردنية وغيرها وتأسيس الدولة؛ فالمجتمع تغير اليوم بشكل كلي ومطلق. من كان يسكن بيت شعر يسهل ترحيله وتنحيه، أصبح اليوم يسكن منزلاً ثابتاً ومستقراً.
بل إن الواقع الاجتماعي نفسه تبدل؛ حتى أواصر الترابط الاجتماعي بين الأسرة الواحدة تفتتت، وتجد الإخوة الأشقاء متخاصمين لأسباب كثيرة، فكيف يصح اليوم القياس على العشيرة الكبرى وعلى القبيلة، وكل يقيس العرف على هواه ومصلحته؟
ارحموا الأجيال الجديدة من الأبناء والبنات، أولئك الذين لا يعرفون شيئاً عن هذه الأمور العشائرية بحكم التعليم والتحضر والانفتاح الاجتماعي غير المحدود. فما ذنب هذا الجيل المتمدن أن تأتي اليوم لتربطه بمجتمع قبلي مفتت، بات الحقد والحسد والظلم والتنكر للأخوة والأبوة هو السائد بينهم؟ هؤلاء الأبناء لا يعرفون حتى اللهجات القديمة ولا زي العشيرة، وغالبيتهم جيل متحضر ومتمدن بالكامل، بينما أجيالنا نحن تقف ما بين هذا وذاك.
فارحموا الناس، ومن هنا أوجه الخطاب مباشرة: أدعو معالي مستشار العشائر الأكرم أن يقوم بعمل استفتاء شعبياً وعشائرياً عاماً على الإلغاء الكامل والشامل لكل ما يتعلق بالجلوة العشائرية، وتطبيق القانون الصارم على مرتكب الجريمة بنفسه، ولا تتعدى العقوبة غيره أبداً، فهذا هو حكم الله تعالى والعدالة الإنسانية. كما نطالب بتفعيل قانون حازم يعاقب ويجرم كل من يخالف ذلك، أو يطلب العودة إلى هذه الأعراف الجاهلية التي نهى عنها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
يا أبناء مجتمعنا الكريم:
الآن، وبعد كل ما تشاهدونه وتعانونه، وأنتم من تصلون، وتزكون، وتحجون، وتشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. كيف تقبلون ترسيخ أفعال جاهلية ترفضها الشريعة السمحة، وتتركون ما أمركم الله به ورسوله؟
حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع بياناً قاطعاً لهدم أفعال الجاهلية: ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة.
كما أرسى الحبيب المصطفى القاعدة الشرعية والقانونية الصارمة لتحميل المسؤولية الجنائية للفرد وحده حين قال في حجة الوداع: ألا لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده.
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم:
ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى
ويقول سبحانه:
ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون
إن مناصرة الأعراف التي تظلم الأبرياء وتشردهم وتأخذهم بجريرة غيرهم هي إحياء لسنن الجاهلية التي جاء الإسلام ليمحوها، وتذكروا وقوفكم بين يدي الله عز وجل يوم يقول:
فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون، وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين، هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون، احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون، من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسؤولون
اللهم إني أشهدك أنني أبرأ إليك من هذا الأمر، وأن ديني الإسلام، وربي الله، ورسولي محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم .
عمر الحجاج ابو محمد















