facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

العبادي يكتب : الأردن عزيز... والرهان علينا جميعا!

العبادي يكتب : الأردن عزيز... والرهان علينا جميعا!
بقلم : محمد علوان العبادي

ليس كل خطاب يلقى من على منبر، فبعض الخطابات تطرق أبواب القلوب، وتضع أمام الأوطان مسؤولياتها، وتوقظ في أبنائها ما قد تغفله ضغوط الحياة وقسوة الأيام. هكذا كان خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني؛ خطابا لم يكن مجرد افتتاح لدورة برلمانية، بل رسالة وطنية عميقة، جاءت في وقت يمر فيه الأردن بوجع ثقيل، وتختلط فيه مشاعر الحزن بالقلق، وتتزاحم فيه الأوجاع والآهات مع أسئلة المستقبل وتحديات المرحلة.

لقد حملت الأحداث الأخيرة جرحا في قلب كل أردني، وكان استشهاد أبناء الوطن من شهداء الكرك وجعا لا تختصره الكلمات، ولا تمحوه الأيام بسهولة. لكن الأوطان لا تقاس بما تتعرض له من محن فحسب، بل بما تبديه من صلابة عند المحن، وبقدرة أبنائها على تحويل الألم إلى وعي، والحزن إلى مسؤولية، والتحديات إلى مزيد من التماسك والثبات.

ومن هنا جاءت كلمات جلالة الملك واضحة وحاسمة: لن نسمح للإرهاب أن يمس أمن الوطن ووحدته، ولا مكان لمن خان هذه الأسرة الأردنية العظيمة. وفي المقابل، لم يكن خطاب جلالته خطاب تحذير فحسب، بل كان خطاب ثقة واطمئنان إلى الأردنيين، ورهانا على وعيهم حين تلتبس الطرق، وحكمتهم حين تعلو الانفعالات، وإخلاصهم حين تشتد المحن.

وهنا علينا أن نتوقف طويلا!

ماذا يعني أن يراهن الملك على شعبه؟ إنه لا يمنحنا كلمات للثناء والتقدير فحسب، بل يضع بين أيدينا أمانة ومسؤولية. فالثقة لا تقابل بالتصفيق وحده، والوفاء لا يثبت بالعبارات وحدها، والانتماء ليس منشورا نكتبه في لحظة غضب أو صورة نرفعها في مناسبة وطنية؛ الانتماء موقف، وسلوك، وعمل، ووعي، واستعداد لأن يكون كل منا جزءا من حماية هذا الوطن وصون منجزاته.

إن دعم جلالة الملك لا يكون بترديد المواقف المؤيدة فقط، وإنما بمساندة جهوده ورؤيته، والوقوف خلف مؤسسات الدولة وجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، الذين يسهرون لتبقى بيوتنا آمنة، وأطفالنا مطمئنين، وراية الأردن مرفوعة. ويكون أيضا بالعمل الجاد، والإخلاص في المواقع والمسؤوليات، ومواجهة الإشاعة، ورفض الفتنة، وعدم السماح لأحد أن يستثمر في أحزاننا أو يحول اختلافاتنا إلى شروخ في جسدنا الوطني.

لكن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده؛ فكل موقع مسؤولية في هذا الوطن مطالب بأن يكون على قدر المرحلة. وقد كان جلالة الملك واضحا حين أكد أن الوظيفة العامة ليست تشريفا يرفع صاحبها عن خدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسما ولا منصبا ولا نفوذا.

وهذه رسالة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام؛ فالأردني الذي يطالب بالانتماء والعطاء، من حقه أن يرى إدارة تكافئ المجتهد، ومؤسسات تنجز، ومسؤولا يشعر بوجع الناس، وقرارات تنعكس على معيشة المواطن وتعليمه وعلاجه وفرص أبنائه. فحب الوطن لا يعفي أحدا من المساءلة، ودعم الدولة لا يعني الصمت عن الخلل، بل إن حماية الدولة تكون بتقوية مؤسساتها وتصويب مساراتها وتعزيز ثقة الناس بها.

أما نحن الأردنيين، فليس أمامنا اليوم ترف المناكفات ولا مساحة للعبث بوحدتنا. لسنا بحاجة إلى مزيد من التشكيك والتخوين، ولا إلى خطابات تزيد الجراح اتساعا، بل إلى كلمة تجمع، وعقل يزن، وضمير يدرك أن هذا الوطن أكبر من خلافاتنا، وأغلى من مصالحنا الضيقة، وأبقى من كل عابر يحاول أن يختبر صلابة جبهتنا الداخلية.

نختلف، نعم، ونتناقش، وننتقد، ونطالب بحقوقنا، فهذا حق دستوري أصيل، لكننا لا نسمح أن يتحول الاختلاف إلى إساءة، ولا النقد إلى هدم، ولا حرية التعبير إلى منصة للفتنة. فالأردن يتسع للرأي المسؤول، لكنه لا يحتمل العبث بأمنه واستقراره.

ولنتذكر أن خلف هذا الوطن تضحيات لا يجوز أن ننساها؛ دماء شهداء، وتعب جنود، وسهر أمهات، وقلق آباء، وأجيال تنتظر منا أن نسلمها وطنا أكثر قوة وأمنا وكرامة. هؤلاء جميعا يستحقون منا أن نكون على قدر الأمانة.

إن الأردن عزيز، ليس لأنه لم يعرف الوجع، بل لأنه في كل مرة ينهض من وجعه أكثر تماسكا. وعزته ليست في شعاراتنا، بل في وحدتنا، وفي قوة مؤسساته، وفي عدالة قانونه، وفي كرامة مواطنه، وفي قيادة تدرك حجم التحديات، وشعب يعرف قيمة الأرض التي يقف عليها.

جلالة الملك، إن الرهان على الأردنيين هو رهان في مكانه، ونحن اليوم أمام مسؤولية أن نكون بمستوى هذه الثقة. نقف خلف وطننا، ونساند قيادتنا، وندعم جهود الدولة، ونحمي جبهتنا الداخلية، ونطالب بالأفضل، ونعمل من أجل الأفضل، فلا نترك مجالا للخوف أن يهزمنا، ولا للفتنة أن تفرقنا، ولا للإحباط أن ينتزع منا إيماننا بالأردن.

فلنكن جميعا على قدر الأردن، وعلى قدر تضحيات أبنائه، وعلى قدر ثقة قائده.

فهذا الوطن ليس مسؤولية الملك وحده، ولا الحكومة وحدها، ولا الجيش والأجهزة الأمنية وحدهم؛ هذا وطننا جميعا، وعزته أمانتنا جميعا، ومستقبله مسؤوليتنا جميعا.

حفظ الله الأردن عزيزا آمنا منيعا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وسمو ولي عهده الأمين، ورحم شهداء الوطن، وحمى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وأدام على الأردنيين وحدتهم وكرامتهم وأمنهم.

تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير