المهندس المشاقبة يكتب : القائمة النقابية الموحدة بين اختبار التحالف واختبار الإنجاز
بقلم - المهندس سليمان نقرش المشاقبه
عندما تشكلت القائمة النقابية الموحدة في نقابة المهندسين الأردنيين، لم يكن الحدث مجرد تحالف انتخابي عابر بين قوى كانت تتنافس لسنوات طويلة، بل كان تجربة سياسية ونقابية استثنائية جمعت أطرافاً ذات رؤى مختلفة تحت عنوان واحد هو "الشراكة في إدارة النقابة”. وقد نجح هذا التحالف في تحقيق انتصار انتخابي واسع أوصله إلى قيادة مجلس النقابة برئاسة المهندس عبدالله غوشة، في تجربة غير مسبوقة على مستوى العمل النقابي الأردني.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نجحت القائمة في الانتخابات؟ بل أصبح: هل ستنجح في إدارة أصعب ملفات النقابة؟
من الانتخابات إلى إدارة الأزمات
إدارة الانتخابات تختلف جذرياً عن إدارة المؤسسات.
فالانتخابات تعتمد على الشعارات والتحالفات والقدرة على حشد الأصوات، بينما تتطلب إدارة النقابة اتخاذ قرارات قد تكون مؤلمة أو غير شعبية، خاصة في ملفات معقدة مثل:
* التشريعات الناظمة لمهنة الهندسة.
* إصلاح صندوق التقاعد.
* البطالة المتزايدة بين المهندسين.
* تطوير الخدمات النقابية.
* الحفاظ على الاستقرار المالي للنقابة.
وهذه الملفات لا تعترف بالاصطفافات السياسية، بل تحتاج إلى أرقام ودراسات وقرارات تنفيذية.
صندوق التقاعد… الامتحان الأصعب
يبقى صندوق التقاعد الملف الأكثر حساسية داخل النقابة.
فأي إصلاح حقيقي قد يتطلب إعادة النظر في الاشتراكات أو المنافع أو آليات الاستثمار أو شروط الاستحقاق، وهي قرارات غالباً ما تواجه رفضاً من قطاعات مختلفة من الهيئة العامة.
وهنا ستظهر قوة التحالف الحقيقي؛ فإذا استطاعت مكونات القائمة الموحدة الاتفاق على رؤية إصلاحية واحدة والدفاع عنها أمام قواعدها المختلفة، فإن ذلك سيشكل نموذجاً ناجحاً للإدارة المشتركة.
أما إذا غلبت الحسابات الشعبية أو الحزبية أو الانتخابية، فقد يتحول الملف إلى مصدر خلاف داخلي يهدد تماسك التحالف نفسه.
التشريعات… فرصة لاختبار التوافق
التحديات التشريعية لا تقل أهمية عن الملف المالي.
فالنقابة مطالبة بمواكبة التحولات في سوق العمل والهندسة والتكنولوجيا، وإعادة النظر في عدد من الأنظمة والتعليمات بما يحفظ مكانة المهندس الأردني ويعزز فرصه المهنية.
وجود تيارات مختلفة داخل مجلس واحد قد يكون نقطة قوة إذا تم استثمار تنوع الأفكار والخبرات للوصول إلى حلول وسط متوازنة، لكنه قد يصبح نقطة ضعف إذا تحولت كل قضية إلى ساحة تجاذب بين مكونات التحالف.
عبدالله غوشة… إدارة التوازنات
منذ الإعلان عن التحالف وحتى الفوز بالانتخابات، برز دور المهندس عبدالله غوشة في الحفاظ على تماسك القائمة وإدارة العلاقة بين مكوناتها المختلفة.
ولا شك أن القدرة على إبقاء هذا التحالف متماسكاً خلال المرحلة السابقة تمثل إنجازاً سياسياً وتنظيمياً مهماً.
لكن التحدي المقبل أكبر بكثير.
فالحفاظ على التحالف أثناء توزيع المسؤوليات أو مواجهة الأزمات المالية أو اتخاذ قرارات غير شعبية يحتاج إلى قيادة تمتلك مهارات الحوار والإقناع وإدارة الاختلاف، وليس فقط إدارة التوافق الانتخابي.
وإذا نجح غوشة في إبقاء جميع الأطراف ملتفة حول برنامج إصلاحي واضح، فإن فرص إنجاز الملفات الكبرى ستزداد بشكل ملحوظ.
هل النقابة تتجه نحو المجهول؟
الإجابة ليست بالضرورة.
فوجود تحالف واسع يمنح مجلس النقابة فرصة تاريخية لاتخاذ قرارات إصلاحية طال انتظارها، لأنه يخفف من حالة الاستقطاب التقليدي ويتيح بناء توافقات داخلية.
لكن في المقابل، فإن اتساع التحالف يرفع سقف التوقعات أيضاً، ويجعل أي إخفاق أكثر تأثيراً على ثقة الهيئة العامة.
لذلك فإن مستقبل التجربة لن يُقاس بقدرتها على البقاء سياسياً، وإنما بقدرتها على إنتاج حلول عملية وقابلة للتنفيذ، خاصة في ملف صندوق التقاعد والتشريعات.
الخلاصة
القائمة النقابية الموحدة نجحت حتى الآن في إثبات أن الخصوم يمكن أن يتحولوا إلى شركاء في إدارة مؤسسة مهنية. إلا أن النجاح الانتخابي لا يكفي لضمان النجاح الإداري.
الرهان الحقيقي يبدأ اليوم، حيث ستكون القرارات الصعبة هي المعيار، وستكون النتائج الملموسة هي الحكم النهائي.
فإذا استطاعت القيادة الحالية تحويل التوافق السياسي إلى برنامج إصلاحي واقعي، فقد تسجل واحدة من أهم التجارب النقابية في تاريخ الأردن. أما إذا طغت الخلافات الداخلية أو تم تأجيل القرارات المصيرية، فإن النقابة ستواجه مرحلة من الجمود قد تؤجل الحلول ولا تلغي الحاجة إليها.















