العزلة الوجودية… وحدة خفية تهدد الصحة النفسية حتى وسط الناس
القبة نيوز - عندما يسمع كثيرون كلمة "الوحدة"، تتجه أذهانهم مباشرة إلى صورة شخص يعيش بمفرده جسدياً، مثل مسن في منزل هادئ أو طالب يتناول طعامه وحيداً. إلا أن خبراء علم النفس يحذرون من نوع أعمق وأكثر خطورة على الصحة النفسية يُعرف بـ"العزلة الوجودية".
وتعني العزلة الوجودية شعور الفرد بأن تجربته الداخلية منفصلة تماماً عن الآخرين، حتى وإن كان محاطاً بالناس. فالمسألة لا ترتبط بعدد العلاقات الاجتماعية أو مستوى النشاط، بقدر ما تتعلق بالإحساس بعدم القدرة على التعبير عن الذات الحقيقية أو رؤيتها من قبل الآخرين.
ويرتبط هذا المفهوم بما يُعرف بـ"إخفاء الذات"، وهو الجهد المستمر الذي يبذله الشخص لإظهار نسخة مقبولة اجتماعياً من نفسه، مع إخفاء الجوانب الحقيقية. وتشير الدراسات إلى أن المشكلة لا تكمن في امتلاك الأسرار بحد ذاتها، بل في الاستنزاف الناتج عن الحفاظ على الفجوة بين الذات الحقيقية والواجهة التي يتم تقديمها للآخرين، مما يسبب إرهاقاً نفسياً وجسدياً ويزيد من مستويات القلق والاكتئاب.
ويُعد هذا النوع من الوحدة أكثر خطورة لأنه غالباً غير مرئي للآخرين، بل وقد لا يدركه الشخص نفسه. فقد يبدو الفرد نشطاً اجتماعياً ومنخرطاً في محيطه، لكنه في الوقت ذاته يعاني من شعور داخلي دائم بالانفصال، ما ينعكس على شكل توتر وقلق مستمرين دون سبب واضح.
وتشير بعض الأبحاث إلى أن الشعور بالعزلة الاجتماعية قد يعادل في تأثيره الصحي تدخين 15 سيجارة يومياً، نظراً لأن الجسم يتعامل مع غياب التواصل الحقيقي كإشارة خطر، بغض النظر عن عدد الأشخاص المحيطين بالفرد.
ومن جهة أخرى، يرى مختصون أن الصراحة وإظهار الضعف يمكن أن يكونا أساساً لبناء روابط إنسانية حقيقية، إذ إن الذات الحقيقية تخلق ألفة عميقة، بينما تؤدي الصورة المصطنعة إلى علاقات سطحية قائمة على الإعجاب فقط. وفي النهاية، يُعد التواصل الصادق ومعرفة الشخص على حقيقته من أهم عناصر الصحة النفسية والرفاهية.
















