facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

أحمد عبيدات… رجل الدولة الذي عبر المراحل الصعبة بثبات ومسؤولية

أحمد عبيدات… رجل الدولة الذي عبر المراحل الصعبة بثبات ومسؤولية
بقلم -  منيب عبدالله القضاه

برحيل أحمد عبيدات، يفقد الأردن واحداً من رجالات الدولة الذين ارتبط اسمهم بمراحل دقيقة من تاريخه السياسي، رجلٌ حمل المسؤولية في زمن التحديات، وتعامل مع السلطة بوصفها أمانة وطنية لا مكسباً شخصياً، فترك أثراً لا يُقاس بالمناصب بل بالمواقف.

في مساءٍ حزين من أوائل هذا العام 2026، غاب عن المشهد الوطني الأردني واحد من أبرز رجالاته، دولة الأستاذ أحمد عبدالمجيد عبيدات، الذي شكّل حضوره في الحياة العامة علامة فارقة في تاريخ الدولة الأردنية الحديث، ليس فقط بما تبوأه من مناصب رفيعة، بل بما مثّله من نموذج خاص لرجل الدولة الذي جمع بين الصلابة في الموقف، والانضباط في الأداء، والالتزام العميق بفكرة الدولة وسيادة القانون. لقد كان رحيله مناسبة لاستعادة سيرة طويلة من العمل العام، امتدت عبر عقود، وتقاطعت مع أكثر الفترات حساسية وتعقيداً في تاريخ الأردن والمنطقة.

وُلد أحمد عبيدات في بلدة حرثا شمالي الأردن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة غرست فيه مبكراً قيم الانتماء والمسؤولية والاعتماد على النفس. ومنذ شبابه، اتجه إلى التحصيل العلمي، فدرس القانون، وهو اختيار لم يكن عابراً، بل عكس ميلاً واضحاً نحو فهم الدولة من بوابة القانون والنظام والمؤسسات. هذا التكوين المعرفي شكّل لاحقاً أساساً صلباً لمسيرته في العمل العام، حيث ظل القانون بالنسبة 
له مرجعية عليا، سواء وهو في مواقع القرار أو بعد خروجه منها.

دخل عبيدات الحياة العامة من بوابة الوظيفة الرسمية، وتدرّج في مواقع المسؤولية إلى أن أصبح مديراً لدائرة المخابرات العامة في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، كانت فيها التحديات الأمنية والسياسية متداخلة ومفتوحة على احتمالات معقدة. وقد عُرف خلال تلك الفترة بالحزم والانضباط، وبإدارة الملف الأمني بعقل مؤسسي، يوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات استقرار الدولة، وهي معادلة صعبة لم تكن تحتمل الارتجال أو التردد.

لاحقاً، انتقل إلى العمل السياسي التنفيذي، فتولى وزارة الداخلية، ثم كُلّف برئاسة الوزراء ووزارة الدفاع، في مرحلة اتسمت بكثرة الملفات الثقيلة داخلياً وخارجياً. وفي رئاسته للحكومة، ظهر أحمد عبيدات بوصفه رجل دولة تقليدياً بالمعنى الإيجابي للكلمة، يؤمن بالمؤسسات، ويحترم التسلسل الدستوري، ويتعامل مع الخلاف السياسي بوصفه اختلافاً في الرأي لا صراعاً على النفوذ. وحين اصطدمت قناعاته ببعض التوجهات السياسية، اختار الاستقالة، في موقف اعتبره كثيرون دليلاً على أن المنصب لم يكن عنده غاية بحد ذاته، بل وسيلة لخدمة ما يؤمن به من مبادئ.

بعد خروجه من رئاسة الحكومة، لم يغادر عبيدات الشأن العام، بل استمر في خدمة الدولة من مواقع أخرى، فكان عضواً في مجلس الأعيان، ومشاركاً في لجان وطنية مفصلية، من أبرزها اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني، التي جاءت في لحظة مفصلية من التحول السياسي في الأردن بعد عودة الحياة البرلمانية. كما انخرط في العمل الحقوقي والإنساني والبيئي، وأسهم في تأسيس ودعم مؤسسات تُعنى بحقوق الإنسان وحماية البيئة، في دلالة واضحة على اتساع رؤيته للدولة والمجتمع، وإيمانه بأن الأمن الحقيقي لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية واحترام كرامة الإنسان.

وفي سنواته اللاحقة، ومع انتقاله إلى موقع المواطن صاحب الخبرة والتجربة، لم يتردد أحمد عبيدات في التعبير عن آرائه ومواقفه تجاه قضايا الإصلاح والحكم الرشيد، فكان صوته حاضراً في النقاش العام، ناقداً حيناً، وناصحاً حيناً آخر، دون أن يسقط في الشعبوية أو المزاودة، محافظاً على صورة رجل الدولة الذي يختلف من داخل الحرص على الوطن لا من خارجه.

إن سيرة أحمد عبيدات هي سيرة رجل عاش الدولة بوصفها فكرة ومسؤولية، لا مجرد سلطة، وتعامَل مع المنصب باعتباره تكليفاً مؤقتاً لا امتيازاً دائماً. قد يختلف الناس في تقييم بعض مواقفه أو قراراته، لكنهم يجتمعون على نزاهته الشخصية، وصلابته الأخلاقية، ووضوح بوصلته الوطنية. وبرحيله، يخسر الأردن واحداً من الشهود على زمنٍ كانت فيه المسؤولية ثقيلة، والقرار مكلفاً، والخطأ لا يُغتفر.

وفي هذا المصاب الجلل، أتقدّم أنا منيب عبدالله القضاه بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى أسرة الفقيد وذويه، وإلى الشعب الأردني كافة، برحيل رجل من رجالات الدولة الذين تركوا أثراً واضحاً في مسيرة الوطن. نسأل الله العلي القدير أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يبقى الأردن وفياً لرجاله المخلصين، ثابتاً بقيمه، عصيّاً على الانكسار.
 
 
 
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير