المجالي يكتب :خلف جدران "الصمت": حين تقتل ثقافة العيب أبناءنا!
بقلم:الكاتب.نضال أنور المجالي
مدير العلاقات المؤسسية والاتصال الاستراتيجي - MCC Mena Consulting (مجموعة الحياة)
في لقاءٍ وطنيٍ بامتياز، جمعتني مناسبة. في الحوار مع قامة عسكرية وبرلمانية مشهود لها بالحكمة وبُعد النظر؛ سعادة العين واللواء المتقاعد عمار القضاة (باشا). لم يكن اللقاء مجرد بروتوكول، بل كان رحلة في عمق التحديات التي تواجه "الأمن المجتمعي" الأردني، وتحديداً في ملف ينهش بصمت في عصب دولتنا: ملف المخدرات.
لقد وضع الباشا يده على الجرح النازف، متحدثاً بمرارة الغيور عن عقبةٍ قد تكون أخطر من المخدرات نفسها، وهي "ثقافة العيب والفضيحة" التي تسيطر على بعض العائلات حين تكتشف تعاطي أحد أبنائها.
الستر الزائف.. تذكرة قتل مع وقف التنفيذ
من أخطر ما استعرضه "الباشا" هو تلك العقلية التي تفضل "الستر" على "العلاج". فالعائلة التي تجد ابنها ضحية للتعاطي وتنكفئ على نفسها خوفاً من كلام الناس، هي في الحقيقة تحكم على ابنها بالموت أو التوحش. إن الخوف من "الفضيحة" يحول البيوت إلى زنازين مظلمة، ويمنع الشاب من الوصول إلى مراكز التأهيل التي وفرتها الدولة، لتكون النتيجة تحول هذا الابن من "ضحية" إلى "مجرم".
لقد روى لي الباشا قصصاً واقعية تدمي القلوب؛ عن أبناء اعتدوا على حرمة منازلهم، وعن جرائم بشعة ارتكبت تحت تأثير "الغياب العقلي"، حيث يسقط كل رادعٍ أخلاقي أو ديني أمام سطوة السموم. هؤلاء لم يكونوا مجرمين بالفطرة، بل قتلهم "صمت الأهل" الذي منح المخدرات وقتاً كافياً لتدمير خلايا الدماغ والضمير.
الفحص الطبي قبل الزواج: ضرورة أمنية لا ترفاً اجتماعياً
في طرحٍ اتسم بالجرأة والاستشراف، شدد الباشا على محورٍ في غاية الأهمية لحماية الأسرة الأردنية، وهو "الفحص الطبي الدقيق قبل الزواج". لم يعد الفحص التقليدي كافياً في ظل تطور أنواع السموم الكيميائية.
إن المطالبة بفحص السموم والمخدرات للمقبلين على الزواج ليست تشكيكاً في الأخلاق، بل هي "درع حماية" للزوجة وللأطفال
القادمين، وضمانة لاستقرار الأسرة التي هي لبنة المجتمع. إن حماية بناتنا وأبنائنا من الارتباط بمدمنين (دون علمهم) هو واجب وطني وأخلاقي يسبق كل اعتبار.
رسالة إلى كل بيت أردني
إن حديث الباشا عمار القضاة يجب أن يكون "ناقوس خطر" يتردد صداه في كل بيت. فالتعامل مع الأبناء اليوم يتطلب "ذكاءً أمنياً واجتماعياً"؛ يتطلب القرب منهم، ومراقبة سلوكهم، وامتلاك الشجاعة لمواجهة المشكلة في مهدها.
إلى الأهل: "الفضيحة" الحقيقية ليست في مراجعة مراكز العلاج، بل في خسارة ابنٍ أو وقوع جريمة كان يمكن تداركها.
إلى المجتمع: لنكسر قيود ثقافة العيب التي لا تخدم إلا تجار الموت.
كل الاحترام والتقدير للباشا عمار القضاة، الذي يثبت يوماً بعد يوم أن رجل الدولة يبقى في خندق الوطن، يحرس قيمه ويصون مستقبله بكلمة الحق والوعي الاستراتيجي.
حمى الله الأردن، وحمى شبابنا من كل سوء.















