الصحفي رفاد العياصرة يكتب : العصر الهلنستي - ولادة جراسا
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة
قبل أن تصبح جرش مدينة الألف عمود، كانت مجرد اسم على خريطة عسكرية لرجل واحد أراد أن يحكم العالم. عندما عبر الإسكندر المقدوني بلادنا سنة 332 ق.م لم يكن يبحث عن مدينة جديدة ليبنيها، كان يبحث عن فكرة. الإسكندر فهم أن الجيوش تفتح البلاد، لكن المدن وحدها هي التي تحفظها. مات الإسكندر سريعاً وهو في الثالثة والثلاثين، لكن قادته، ورثة إمبراطوريته، طبقوا وصيته بحذافيرها. في سوريا حكم السلوقيون، وفي مصر حكم البطالمة، وكلاهما بدأ يزرع في قلب الشرق الأوسط مدناً تتكلم اليونانية وتفكر بطريقة يونانية وتدين بالولاء لليونان.
وفي قلب هذا المشروع الاستعماري الكبير، كانت جرش هي الجوهرة. لم يخترها اليونان صدفة، فهي ليست كباقي قرى جلعاد. فيها نهر دائم لا ينقطع، حوله سهل خصب، فوقه جبال تحميه كالأسوار، وهو يقع تماماً على عقدة الطرق التي تربط البتراء بدمشق، وعمان بالبحر المتوسط. فجاءها الجنود المقدونيون المتقاعدون الذين تعبوا من الحروب، وأعطاهم الملك أراضي فيها. ومعها، تأسست تسع مدن أخرى مثلها مثل فيلادلفيا وهي عمان، وجادارا وهي أم قيس، وبيلا وهي طبقة فحل، وبصرى ودمشق. هذا التحالف الجديد سماه اليونان الديكابولس، أي اتحاد المدن العشر. لم يكن اتحاداً دينياً بل كان اتحاداً حضارياً وعسكرياً، له عملة واحدة وقانون واحد ومجالس مدينة واحدة، وكلها تتحدث اللغة اليونانية وتحت حماية ملك أنطاكية.
ولأن جرش كانت الأجمل والأغنى ماءً بين هذه المدن العشر، أعطاها السلوقيون اسماً ملكياً رسمياً يليق بها، وهو الاسم الذي تراه في الصورة: أنطاكيا على نهر الذهب، Antiochia on the Chrysorhoas. هذا لم يكن مجرد اسم، بل كان إعلان ميلاد. كلمة أنطاكيا تربطها مباشرة بالعائلة المالكة السلوقية، بعائلة أنطيوخوس الذي حكم من أنطاكية الكبرى، وكأنها تقول إن جرش هي قطعة من العاصمة في الجنوب. أما الاسم الثاني Chrysorhoas فهو شعر يوناني خالص، معناه نهر الذهب. اليونان لم يسموا نهر جرش بهذا الاسم عبثاً، فقد كانوا يرون مياهه في الصيف تلمع بلون الطمي الذهبي تحت الشمس، وكان هذا النهر هو سبب ثراء المدينة الحقيقي، هو من يسقي حقول القمح التي كانت تسمى ذهب الشرق. ولدينا عملات برونزية محفوظة اليوم في متحف جرش، صكها أهل المدينة في تلك الفترة، كتب عليها باليونانية "أنطاكيين أهل نهر الذهب" ومنقوش عليها وجه زيوس كبير اللحية.
وعندما أطلق عليها هذا الاسم الجديد، لم تبق قرية من طين، بل جاء المهندسون اليونان ووضعوا أول مخطط هندسي عرفته المدينة في تاريخها، وهو نفس المخطط الذي تمشي عليه أنت اليوم عندما تزور جرش. لم يعد البناء عشوائياً فوق التلال كما كان في زمن الكنعانيين والعمونيين، بل صار بالمسطرة. أول ما فعلوه أنهم شقوا شارعاً مستقيماً طويلاً يخترق المدينة من بوابتها الجنوبية إلى بوابتها الشمالية، بطول ثمانمائة متر، هو ما نسميه اليوم شارع الأعمدة. هذا الشارع هو الـ Cardo، العمود الفقري الذي يجب أن يكون في كل مدينة يونانية محترمة. ثم رسموا حوله سوراً مستطيلاً له بوابتان ضخمتان، وتركوا في الوسط ساحة كبيرة مربعة الشكل لتكون السوق ومكان اجتماع الناس، وهي نفسها الساحة البيضاوية التي تراها اليوم، لكن الرومان فيما بعد هم من حولوها من مربعة إلى بيضاوية. وعلى أعلى تلتين في المدينة، وضعوا أهم مبنيين: معبداً لزيوس كبير الآلهة مكان معبد زيوس الحالي، ومعبداً لديونيسوس إله الخمر والخصب. كانت بيوتها في البداية متواضعة من الطوب واللبن، لكن روحها كانت يونانية خالصة، يتكلم أهلها اليونانية في السوق، ويكتبون عقودهم باليونانية، ويعلمون أبناءهم الإلياذة. كان سكانها خليطاً جديداً: جندي مقدوني تزوج من فتاة جلعادية، وتاجر نبطي تعلم اليونانية ليتاجر معهم. وهكذا ولدت جراسا، ليس ببناء حجارة جديدة، بل بفكرة جديدة زرعت فوق قرية عمرها ألفا سنة، فكرة جعلت الرومان عندما جاءوا بعد مئتي سنة لا يهدمونها، بل يجدون الأساس جاهزاً ليبنوا فوقه مدينة من الرخام الأبيض.
















