الرقيبات تكتب : "هل لو فقدت ذاكرتك ستختفي مشاكلك النفسية؟ عندما تنسى الأحداث وتبقى المشاعر."
بقلم : نرمين زكريا ابراهيم الرقيبات
تخيل أن تستيقظ يومًا ما وقد اختفت من ذاكرتك جميع الأحداث المؤلمة التي مررت بها. لا تتذكر الأشخاص الذين جرحوك، ولا المواقف التي سببت لك الحزن أو الخوف أو القلق. للوهلة الأولى قد يبدو الأمر وكأنه فرصة للبدء من جديد، وكأن كل ما كان يؤلمك قد اختفى إلى الأبد.
كثيرًا ما نتمنى في لحظات الألم أن نستطيع نسيان بعض الذكريات، ونعتقد أن التخلص منها قد يريحنا من آثارها النفسية. لكن هل الأمر بهذه البساطة فعلًا؟ وهل يمكن أن يؤدي فقدان الذاكرة إلى اختفاء المشكلات النفسية؟ أم أن تأثير التجارب يبقى موجودًا في أعماقنا بطرق لا ترتبط فقط بتذكر الأحداث؟
بناءً على سؤال الأمس: لو فقدت ذاكرتك، هل تعتقد أن مشاكلك النفسية سوف تختفي؟
أعتقد البعض أن الإجابة (نعم, لأننا نكون قد نسينا الأشياء التي كانت تألمنا وتشعرنا بالضيق عندما نتذكرها)
وبعضهم الآخر كان (لا ، وممكن أن نتسبب بمشاكل أكبر )
بطبع هو سؤال غريب لأن كل شخص يرى الموضوع من وجهة نظرة ،والمنطق أيضاً يقول :نعم
ولكن علم النفس يرى أن الأمر أكثر تعقيداً مما نتخيل .تشير دراسات علم الأعصاب إلى أن الذاكرة ليست نوع واحد فقط .
هناك ذكريات واعيه نتذكرها ، وذكريات ،وانفعالات يتعلمها الدماغ والجسد دون أن نفكر بها .
ومن أشهر هذه الحالات:
Henry Molaison: حالة فقدان ذاكرة في علم الأعصاب. بعد عملية جراحية أصبح غير قادر على تكوين ذكريات جديدة، لكن بقي قادرًا على تعلم بعض المهارات دون أن يتذكر أنه تعلمها. استخدمت حالته لإثبات أن الذاكرة ليست نوعًا واحد.
Clive Wearing: كان ينسى الأحداث بسرعة كبيرة جدًا، لكنه ظل يحتفظ بمشاعره تجاه زوجته وقدرته على عزف الموسيقى. وغالبًا يُستشهد بحالته لإظهار أن بعض الجوانب العاطفية والمهارية قد تبقى رغم فقدان الذاكرة.
ولعل قصة الأديب الشهير ماركيز في سنواته الأخيرة خير مثال؛عندما أصيب بفقدان الذاكرة، وبهذه المرحلة زاره أحد أصدقائه، ولكن لم يستطيع التعرف عليه وقال له :"لم أتذكرك لكنني أحبك".
في أحدى الحالات الشهيرة بعلم الأعصاب ،كانت هناك حالة تنسى الأشخاص بعد لقائهم ببضع دقائق من لقائهم ،ولكنها تشعر بالانزعاج من شخص أساء لها ،رغم أنها لا تتذكر الموقف نفسه .
ولهذا السبب نجد أن بعض المصابين بفقدان الذاكرة وخاصة( الفقدان الدائم ) ما زالوا يشعرون بالقلق والخوف أو حتى النفور من أشياء معينة...حتى عندما لا يتذكرون السبب.
لأن الدماغ لا يخزن التجارب كقصص فقط .وانما يخزن أيضاً المشاعر والاستجابات والأنماط العصبية المرتبطة بها .
لهذا السبب قد تنسى الحدث لكن يبقى أثره في جهازك العصبي ،وقد تنسى القصة ولكن لا تنسى شعورها .مع ذلك، تختلف درجة بقاء هذا الأثر من شخص لآخر ومن حالة لأخرى.
في علم النفس (الصدمات النفسية خصوصًا)
أشارت الأبحاث إلى أن جزءًا من المعاناة لا يكون في الذاكرة نفسها ...بل في الطريقة التي تعلم بها الدماغ الاستجابة للخطر.
ولهذا لا يكفي أحيانًا أن تنسى.
فالشفاء الحقيقي ليس محو الماضي... بل إعادة تدريب العقل والجسد على الشعور بالأمان من جديد.
وهذا ما يحدث في الجلسات النفسية حيث تساعد بعض الأشخاص على فهم تجاربهم وإعادة تنظيمها والتعامل معها بصورة أكثر صحة.
لو فقدت ذاكرتك قد تنسى أسماء الأشخاص والأحداث ...لكن هذا لا يعني أن كل مشاكلك النفسية ستختفي.
فالإنسان لا يعيش فقط بما يتذكره، بل أيضًا بما تعلمه جسده وعقله من تجاربه. لذلك فإن نسيان الماضي لا يعني بالضرورة زوال أثره، كما أن تذكره لا يعني البقاء أسيرًا له. فالتعافي الحقيقي يحدث عندما نتعلم كيف نتعامل مع ما تركته التجارب فينا، لا عندما نحاول محوها من ذاكرتنا.
الخلاصة :
حتى لو فقدت ذاكرتك، فهذا لا يعني بالضرورة أن مشاكلك النفسية ستختفي. فقد تنسى الأحداث والقصص التي سببت لك الألم، لكن بعض المشاعر والاستجابات التي تعلمها الدماغ من تلك التجارب قد تبقى موجودة. لذلك فإن نسيان الذكريات لا يعني دائمًا زوال أثرها النفسي، لأن الإنسان لا يتأثر فقط بما يتذكره، بل أيضًا بما تتركه التجارب داخله.















