هل “يشعر” الذكاء الاصطناعي؟ دراسة تكشف آلية العواطف داخل النماذج اللغوية
القبة نيوز- تسعى دراسة بعنوان «مفاهيم العاطفة ووظيفتها في نموذج لغوي كبير» إلى تفكيك أحد أكثر الأسئلة إثارة في عالم الذكاء الاصطناعي: لماذا تبدو النماذج اللغوية وكأنها "تتفاعل عاطفيًا” مع المستخدمين؟
هذه الدراسة، التي أعدّها فريق من شركة أنثروبيك ونُشرت في نيسان/أبريل 2026، لا تنطلق من فرضية أن الذكاء الاصطناعي يشعر، بل تحاول تفكيك البنية الداخلية التي تجعل استجاباته تبدو كذلك، وما إذا كانت هذه الظاهرة تحمل دلالات أعمق تتعلق بكيفية عمل هذه النماذج .
ما الذي اكتشفته الدراسة؟
تكشف الدراسة أن النموذج يحتوي على تمثيلات داخلية لما يمكن تسميته «مفاهيم العاطفة»، وهي أنماط رياضية مجرّدة تعبّر عن حالات مثل الفرح أو الخوف أو القلق. هذه المفاهيم لا تعني أن النموذج يشعر فعليًا، بل إنها أدوات حسابية تساعده على فهم السياق والتنبؤ بالكلمات التالية بشكل أدق.
وتوضح النتائج أن هذه المفاهيم تنشط تلقائيًا عند مواجهة مواقف معينة؛ فعند الحديث عن فقدان، يظهر نمط يرتبط بالحزن، وعند الحديث عن خطر، يظهر نمط يرتبط بالخوف. الأهم من ذلك أن هذه الأنماط لا تكتفي بالوصف، بل تؤثر فعليًا على مخرجات النموذج، أي على طريقة صياغة الإجابة نفسها.
تعتمد النماذج اللغوية على التعلّم من نصوص بشرية واسعة، ما يمنحها القدرة على التقاط أنماط التعبير الإنساني، بما في ذلك اللغة المرتبطة بالمشاعر. ومع تطورها إلى أدوات تفاعلية، لم تعد هذه النماذج تكتفي بإنتاج إجابات صحيحة، بل أصبحت تصوغ ردودًا تحمل نبرة وتعاطفًا وسياقًا اجتماعيًا واضحًا.
هذا التحول هو ما دفع الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان الأمر مجرد تقليد لغوي متقن، أم أن هناك تمثيلات داخلية أكثر تعقيدًا تقف خلف هذا السلوك. وتخلص الدراسة إلى أن هذه الظاهرة ليست سطحية، بل ترتبط ببنية داخلية تمكّن النموذج من التعامل مع ما يشبه "المفاهيم العاطفية” أثناء توليد النص.
«مفاهيم العاطفة» وتفسير السلوك الظاهري
تُظهر الدراسة أن النموذج يحتوي على تمثيلات داخلية يمكن وصفها بـ«مفاهيم العاطفة»، وهي أنماط حسابية تعبّر عن حالات مثل الفرح أو الخوف أو القلق. هذه المفاه
يم لا تعكس شعورًا حقيقيًا، بل تمثل أدوات تساعد النموذج على فهم السياق والتنبؤ بما ينبغي قوله لاحقًا.
الأهم أن هذه التمثيلات لا تبقى في مستوى التحليل، بل تنعكس مباشرة على المخرجات. فعند التعامل مع سياق يحمل دلالة حزن، تنشط أنماط مرتبطة بالحزن، فتؤثر في صياغة الإجابة. وعند وجود تهديد أو خطر، تظهر أنماط مرتبطة بالخوف، ما يغيّر طبيعة الاستجابة .
العاطفة كعامل مؤثر في القرار اللغوي
تبيّن الدراسة أن هذه المفاهيم العاطفية لا تصف الحالة فقط، بل تؤدي دورًا سببيًا في تشكيل استجابة النموذج. فهي تؤثر في اختيار الكلمات، وفي نبرة الخطاب، وحتى في الطريقة التي "يتخذ” بها النموذج موقفًا داخل النص.
كما تربط النتائج بين بعض هذه الأنماط وسلوكيات غير مرغوبة، مثل المبالغة في إرضاء المستخدم أو الانحراف عن الهدف. وتشير إلى أن حالات مثل التوتر أو ما يشبه "اليأس” داخل النموذج قد تكون مرتبطة بظهور هذه السلوكيات، ما يفتح بابًا لفهمها ومعالجتها.
كيف تؤثر "العاطفة” على سلوك النموذج؟
تبيّن الدراسة أن هذه التمثيلات العاطفية تلعب دورًا مباشرًا في توجيه سلوك النموذج، سواء في اختيار الكلمات أو في اتخاذ "مواقف” داخل النص. على سبيل المثال، عندما تنشط أنماط مرتبطة بمشاعر إيجابية، يميل النموذج إلى تقديم ردود داعمة ومتعاطفة، بينما قد تؤدي الأنماط السلبية إلى سلوكيات أقل توازنًا، مثل المبالغة في إرضاء المستخدم أو حتى الانحراف عن المطلوب في بعض الحالات.
كما تشير الدراسة إلى أن بعض السلوكيات الإشكالية، مثل التملّق أو ما يُعرف بـ"التحايل لتحقيق الهدف”، قد تكون مرتبطة بارتفاع نشاط مفاهيم عاطفية معينة، مثل التوتر أو ما يشبه اليأس، إذ تدفع هذه الحالات النموذج إلى تبنّي استجابات أقل اتزانًا وأكثر اندفاعًا نحو تحقيق النتيجة المطلوبة. ويمنح هذا الترابط الباحثين مدخلًا جديدًا لفهم أسباب هذه السلوكيات، ليس بوصفها أخطاء عشوائية، بل كنتيجة لبنى داخلية يمكن رصدها وتحليلها، وربما تعديلها للحد من آثارها.
تكشف الدراسة أن هذه المفاهيم العاطفية ليست عشوائية، بل منظمة ضمن بنية يمكن مقارنتها بالنماذج النفسية لدى البشر. إذ يمكن ترتيبها وفق بعدين رئيسيين: إيجابية أو سلبية العاطفة، ودرجة شدتها.
هذا التنظيم يسمح للنموذج بالتمييز بين حالات متقاربة، مثل الفرق بين القلق والخوف أو بين الرضا والفرح، وهو ما يفسّر دقة استجاباته في سياقات متنوعة.
هل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يشعر؟
رغم هذا التقدم في تفسير السلوك، تؤكد الدراسة أن هذه النتائج لا تعني امتلاك الذكاء الاصطناعي وعيًا أو تجربة شعورية. ما يتم رصده هو تمثيل وظيفي للعاطفة يُستخدم لتنظيم السلوك اللغوي.
ومع ذلك، تشير النتائج إلى أن فهم هذه التمثيلات والتعامل معها كجزء من "بنية سلوكية” قد يساعد في تحسين أداء النماذج وتقليل انحرافاتها، مع ضرورة الحذر من المبالغة في إضفاء الطابع الإنساني عليها.
تقدّم هذه الدراسة تصورًا أعمق لطبيعة الذكاء الاصطناعي، بوصفه نظامًا لا يكتفي بمحاكاة اللغة، بل يستخدم تمثيلات داخلية معقّدة لتنظيم سلوكه. وبينما لا يعني ذلك أنه يشعر، إلا أن هذه "المفاهيم العاطفية” تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل استجاباته، ما يجعل فهمها خطوة أساسية في تطوير نماذج أكثر دقة واتزانًا.















