شراكة أردنية إماراتية تعزز تنافسية ميناء العقبة في سلاسل الإمداد العالمية
القبة نيوز- تحولت موانئ العقبة إلى مركز تتسابق فيه الدول لحجز مقاعدها في الصفوف الأولى لسلاسل الإمداد الدولية، وسط خطوة إستراتيجة وصفها مراقبون بـ”نقطة التحول الكبرى” في تاريخ الموانئ الوطنية، مع إعلان "مجموعة موانئ أبوظبي” و”شركة تطوير العقبة” عن إبرام اتفاقية امتياز تمتد لثلاثة عقود، لتشغيل وتطوير الميناء الوحيد والمتخصص في المملكة للبضائع العامة.
وجرى في مقر سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة يوم أمس، الإعلان الرسمي عن دخول العقبة حقبة "العولمة التشغيلية”، حيث يلتقي الموقع الجيوسياسي الفريد للأردن مع الخبرة اللوجستية العالمية للإمارات، ليشكلا معا تحالفا قادرا على تغيير معادلات المنافسة في حوض البحر الأحمر.
وبموجب الاتفاقية الجديدة، التي ستدخل حيز التنفيذ التشغيلي في آب (أغسطس) من العام الحالي، سيتم تأسيس مشروع مشترك تمتلك فيه "مجموعة موانئ أبوظبي” حصة الأغلبية بنسبة 70 %، بينما تحتفظ "شركة تطوير العقبة” بنسبة 30 %، في صيغة تضمن السيادة الوطنية على الأصول مع الاستفادة القصوى من الإدارة الدولية المحترفة، في وقت رصدت المجموعة الإماراتية استثمارات أولية بقيمة 141 مليون درهم (حوالي 38.4 مليون دولار) لضخ دماء جديدة في شرايين الميناء.
ويكتسب "ميناء العقبة متعدد الأغراض” أهميته الاستثنائية من كونه المنفذ الحصري الذي تدخل عبره الحبوب التي تطعم الملايين، والمواشي، والبضائع العامة، ومعدات المشاريع الصناعية الكبرى، وبطاقة استيعابية تصل إلى 11 مليون طن سنويا، وأرصفة تمتد إلى 2 كيلومتر بعمق غاطس 13.5 مترا، ويقف الميناء اليوم على أعتاب مرحلة تطوير شاملة ستنعكس آثارها على كل بيت ومصنع في الأردن.
ويتوقع خبراء أن هذا التحول الرقمي والإداري سيؤدي بشكل مباشر إلى رفع كفاءة المناولة وتقليص فترات انتظار السفن، وهو ما يترجم بلغة المال إلى "خفض الكلف التشغيلية”، مشيرين إلى أنه "انخفاض كلفة الاستيراد والخدمات اللوجستية، سينعكس إيجابا على الأسعار النهائية للسلع في السوق المحلي، مما يعزز القوة الشرائية للمواطن ويخفف من وطأة التضخم المستورد”.
وأضافوا "أن الميناء يمثل صمام أمان للأمن الغذائي الأردني ضمن بيئة إقليمية مضطربة، إذ يصبح ضمان انسيابية توريد الحبوب والسلع الإستراتيجية عبر ميناء يدار بمعايير عالمية مسألة أمن قومي بامتياز، تضمن للمملكة استقرارا في سلاسل التوريد مهما كانت الظروف المحيطة”.
وبحسب العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ أبوظبي، الكابتن محمد جمعة الشامسي، فإن "توقيع الاتفاقية يأتي استكمالا لعلاقات التعاون الاقتصادي الوثيقة بين البلدين، ومن ضمنها مشاريع التطوير التي تنفذها المجموعة في مدينة العقبة، بما يتماشى مع توجيهات القيادة الرشيدة في تعزيز التعاون مع في المملكة ودعم رؤيتها لتحويل ميناء العقبة إلى وجهة تجارية رائدة في منطقة البحر الأحمر”، مؤكدا أن "الاتفاقية تتيح لمجموعة موانئ أبوظبي إحداث نقلة اقتصادية نوعية طويلة الأجل في المنطقة، تفتح من خلالها آفاقا جديدة لازدهار الأعمال بما يخدم تطلعات المملكة”.
بدوره، قال رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة شادي المجالي "إن هذه الاتفاقية تمثل الشراكة الإستراتيجية محطة رئيسية في تعزيز دور العقبة كمنطقة اقتصادية تنافسية ومتكاملة، ويعزز تطوير ميناء العقبة متعدد الأغراض، بالتعاون مع مجموعة موانئ أبوظبي، من دور السلطة في توفير بيئة تنظيمية واستثمارية داعمة للتجارة الفعالة والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة العالية، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام”.
وأضاف "سيسهم هذا المشروع في تعزيز جاذبية العقبة كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية والصناعة والسياحة، إلى جانب تعزيز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما يعكس فاعلية التنسيق بين المؤسسات الوطنية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين في تنفيذ مشاريع نوعية تولد فرص عمل، وتحفز الاستثمار، وتعزز المرونة الاقتصادية على المدى الطويل”.
وأشار إلى "أن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة تؤكد التزامها الكامل بتسهيل تنفيذ هذا المشروع من خلال إجراءات مرنة وسياسات داعمة للمستثمرين، بما يضمن استمرار دور العقبة كبوابة إستراتيجية للأردن والمنطقة”.
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة تطوير العقبة حسين الصفدي "نتطلع إلى العمل مع مجموعة موانئ أبوظبي، الشريك الإستراتيجي لشركة تطوير العقبة، لمواصلة تطوير وتعزيز مكانة ميناء العقبة متعدد الأغراض كمركز محوري للتجارة والنقل في شمال منطقة البحر الأحمر”، مؤكدا أنه "من خلال الاستفادة من خبرات المجموعة واتصالها العالمي وحلولها الرقمية للتجارة، وشبكة موانئها ومحطاتها البحرية المتنامية إقليميا، فإن العقبة ماضية في تسريع تحولها إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية والتجارية يحقق نموًا اقتصاديا مستداما”.
وأضاف "أن هذا التعاون يسهم في تعزيز منظومة العقبة عبر قطاعات الخدمات اللوجستية والسياحة والخدمات المينائية”، مؤكدا "الثقة بأن هذه الشراكة ستؤدي دورا محوريا في دفع عجلة النمو الاقتصادي المستدام للعقبة والمملكة ككل، مع التطلع إلى المضي قدمًا معًا في تقديم مركز عالمي المستوى للتجارة والخدمات اللوجستية”.
ويتميز ميناء العقبة بموقع إستراتيجي على مفترق طرق ثلاث قارات، ويتم من خلاله مناولة نحو 80 % من صادرات الأردن و65 % من وارداتها، كما يعد الميناء بوابة عبور رئيسية للعمليات التجارية مع الدول المجاورة، بما في ذلك السعودية والعراق.
ويقوم الميناء متعدد الأغراض بمناولة مجموعة متنوعة من البضائع، بما في ذلك البضائع العامة، والحبوب، والماشية، والبضائع المدحرجة، وشحنات المشاريع الصناعية والبنى التحتية، ويتميز بطاقة استيعابية سنوية تصل إلى 11 مليون طن، ويضم تسعة أرصفة بطول 2 كيلومتر، وعمق غاطس يصل إلى 13.5 مترا. وفي عام 2025، نجح الميناء في مناولة 5.3 مليون طن من البضائع، إضافة إلى نحو 85 ألف سيارة مستوردة.
وتأتي هذه الاتفاقية في وقت تشهد فيه موانئ المنطقة منافسة شرسة، إلا أن الإستراتيجية الأردنية الجديدة تتبنى نهج "التكامل” بدلا من التصادم، حيث إن انضمام ميناء العقبة إلى شبكة "موانئ أبوظبي” التي تمتد من الخليج إلى إسبانيا وأفريقيا، يضعه تلقائيا على خريطة خطوط الشحن العالمية الكبرى التي تفضل التعامل مع مشغل واحد يمتلك شبكة مترابطة.
وهذا الربط الذكي سيعيد تموضع العقبة كبوابة رئيسية للمشرق العربي، فالأردن، بموقعه الجغرافي المتوسط، هو الرئة الطبيعية للعراق وسورية، وجسر بري حيوي نحو السعودية والخليج، ومع تطوير البنية التحتية للميناء وربطه بأنظمة رقمية متطورة، ستصبح العقبة الخيار الأفضل والأسرع لتجارة الترانزيت وإعادة التصدير، مما يفتح بابا واسعا لإيرادات جديدة للخزينة تتجاوز مجرد رسوم المناولة التقليدية.
ولا يمكن قراءة هذه الاتفاقية بمعزل عن الصورة الكبرى لاستثمارات "موانئ أبوظبي” في الأردن، التي ترسم ملامح "ممر لوجستي متكامل”، فالمجموعة لا تدير الميناء فحسب، بل تعمل منذ عام 2021 على تطوير منظومة رقمية عبر "مقطع أيلة”، وتشغل "محطة السفن السياحية” التي تنعش السياحة، ومؤخرا دخلت شريكا في تطوير "مرسى زايد” العقاري والسياحي الضخم، وصولا إلى إدارة "جمرك الماضونة” في العاصمة عمان.
















