لماذا ما زالت أزمة المياه قائمة رغم كثرة الدراسات؟
بقلم - المهندسة ساجدة خضراوي
كثرة الدراسات… وقلّة الأثر: أين الخلل في إدارة المياه؟
على مدار سنوات طويلة، لم يتوقف الحديث عن أزمة المياه في الأردن.
دراسات، تقارير، استراتيجيات، ومشاريع تُعلن تباعًا، ومع ذلك، ما زال المواطن يشعر بأن المشكلة تزداد تعقيدًا، لا انحسارًا. هذا التناقض يطرح سؤالًا واقعيًا لا يمكن تجاهله: لماذا لم تنعكس كثافة الدراسات على تحسّن ملموس في إدارة المياه؟
المشكلة لا تكمن في غياب المعرفة، بل في طريقة استخدامها.
معظم الأدوات التقليدية التي استُخدمت في إدارة المياه اعتمدت على مؤشرات ثابتة، أو نماذج تحليل تفترض أن الواقع لا يتغير بسرعة. لكن الواقع المائي، خاصة في الدول الشحيحة مائيًا، يتغير يوميًا بفعل عوامل متداخلة: نمو سكاني، تغيّر مناخي، تفاوت جغرافي، واختلاف في أنماط الاستهلاك.
في هذا السياق، تصبح الفجوة واضحة بين ما نعرفه نظريًا وما نحتاجه عمليًا. فالدراسات غالبًا ما تصف المشكلة بدقة، لكنها لا تُترجم دائمًا إلى أدوات تساعد على اتخاذ قرار سريع، مرن، وقابل للتحديث. وهنا تحديدًا يبدأ الخلل.
الذكاء الاصطناعي لا يقدّم حلًا سحريًا لأزمة المياه، لكنه يغيّر طريقة التفكير فيها. فبدل الاعتماد على متوسطات عامة أو بيانات قديمة، تتيح أدوات التعلّم الآلي التعامل مع كميات ضخمة من البيانات المتغيرة، وربط العوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية في نموذج واحد قابل للتحديث المستمر.
عند النظر إلى ملف مثل فقر المياه، على سبيل المثال، يتضح أن المؤشرات التقليدية لا تعكس دائمًا الواقع الحقيقي على الأرض. فهناك مناطق تبدو "مستقرة” رقميًا، لكنها تعاني فعليًا من هشاشة عالية، والعكس صحيح. الذكاء الاصطناعي هنا لا يستبدل الخبرة البشرية، بل يدعمها، عبر كشف أنماط خفية لا تظهر في التحليل التقليدي.
التجربة العملية تُظهر أن المشكلة ليست في نقص الحلول، بل في تأخر الانتقال من الوصف إلى التنبؤ. فإدارة المياه اليوم لم تعد بحاجة فقط إلى معرفة أين نحن، بل إلى أدوات تساعد على الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحًا: إلى أين نتجه إذا استمر الوضع على ما هو عليه؟
وفي الدول التي تعاني من شح الموارد، يصبح اتخاذ القرار المتأخر مكلفًا، ليس فقط ماليًا، بل اجتماعيًا وتنمويًا. لذلك، فإن إعادة التفكير في أدوات التحليل والدعم الفني لا تُعد ترفًا تقنيًا، بل ضرورة لإدارة المخاطر قبل تفاقمها.
هذا لا يعني أن الحل يكمن في التكنولوجيا وحدها، ولا أن الذكاء الاصطناعي بديل عن السياسات أو التخطيط، بل يعني أن البيانات حين تُحلّل بذكاء، تتحول من أرقام صامتة إلى أداة إنذار مبكر. أداة تساعد على توجيه الموارد بشكل أدق، وتحديد الأولويات على أساس الواقع لا الافتراض.
السؤال المطروح اليوم لم يعد: هل نملك دراسات كافية؟
بل: هل نملك الأدوات التي تُمكّننا من تحويل هذه الدراسات إلى قرارات أكثر مرونة، وعدالة، واستباقية؟
Sajeda.khadrawi@gmail.com
















