facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الأردن والماء.. سيادة لا تقبل المساومة

الأردن والماء.. سيادة لا تقبل المساومة
القبة نيوز - "المياه، المياه، المياه". ثلاث كلمات اختار الملك عبدالله الثاني تكرارها أمام مجلس الأمة، لا لاستدعاء الانتباه فحسب، بل لوضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية، وحين أتبعها بقوله: لن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه"، كان يرسم حدودا واضحة بين حاجة الناس إلى الماء وحق الدولة في اتخاذ مواقفها السيادية بعيدا عن الضغوط. 

فالماء في الأردن لم يعد ملفا خدميا تتولاه الوزارات واللجان الفنية وحدها، بل قضية أمن وطني ترتبط باستقلال القرار السياسي وكرامة المواطن ومستقبل الأجيال، ولم تأت هذه الرسالة من فراغ. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أكد الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن أي تهديد للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن الوطني، وأن المملكة لن تتهاون في حماية مصالحها.

وبين خطاب نيويورك وخطاب العرش في عمّان، اكتملت الرسالة: المياه حق لا يجوز تحويله إلى وسيلة ابتزاز سياسي. منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، توقف تزويد الأردن بخمسين مليون متر مكعب إضافية من المياه الإسرائيلية، كانت تُشترى بموجب اتفاق منفصل عن الحصة المقررة في معاهدة وادي عربة. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية تصريحات ربطت تجديد الترتيبات المائية بتحسين العلاقات الدبلوماسية وتخفيف حدة الموقف الأردني. 

وهنا تكمن خطورة المسألة، فحين يصبح الماء مرتبطا بالمواقف السياسية، تتجاوز القضية خلافا تجاريا أو فنيا إلى محاولة التأثير في استقلال القرار الأردني، خصوصا في ما يتعلق بفلسطين والقدس والوصاية الهاشمية على المقدسات.

وفي المقابل، تقول إسرائيل إنها ملتزمة بالكميات المنصوص عليها في المعاهدة، وإن الاتفاق الإضافي لا يمثل التزاما قانونيا دائما، لكن التصريحات السياسية المنقولة عن مسؤولين إسرائيليين تثير تساؤلات مشروعة بشأن استخدام المياه ورقة ضغط على الأردن .

لهذا يكتسب توجيه الملك بتسريع مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية لحماية الموارد أهمية تتجاوز إدارة الأزمة الراهنة، فمشروع الناقل الوطني، الذي يستهدف تحلية مياه البحر الأحمر ونقل نحو 300 مليون متر مكعب سنويا من العقبة إلى عمّان، يمثل خطوة استراتيجية لتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية. غير أن كلفته البالغة نحو 5.8 مليار دولار، والمدة المنتظرة حتى بدء تشغيله، تفرضان مسؤولية مضاعفة على الحكومة.

المطلوب إنجاز المشروع دون تأخير، وخفض الفاقد من الشبكات، وتوسيع استخدام المياه المعالجة، وحماية المخزون الجوفي، وتطوير التعاون المائي مع سوريا، إلى جانب تحرك دبلوماسي يرفض ربط الاحتياجات الإنسانية بالمواقف السياسية. 

فالأمن المائي لا يتحقق بالخطب وحدها، مهما بلغت قوتها، بل بقرارات قابلة للتنفيذ ومواعيد تحاسب عليها الحكومات، ورقابة برلمانية تضمن ألا يتحول المشروع الوطني إلى وعد مؤجل.

لقد وضع الملك المياه في مرتبة السيادة، وأصبحت مسؤولية المؤسسات أن تنقل هذه الأولوية من منصة الخطاب إلى واقع الأردنيين، والدولة التي تصون قرارها السياسي مطالبة أيضا بأن تصون مصادر حياتها. وحين يمتلك الأردن ماءه، يصبح قراره أكثر استقلالا، وتفقد الضغوط إحدى أخطر أدواتها.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير