هل تقود إنذارات الذكاء الاصطناعي العالم إلى حرب؟
القبة نيوز - لم تعد مخاطر الذكاء الاصطناعي تقتصر على الأخطاء التقنية أو المعلومات المضللة، بل امتدت إلى المجال العسكري، حيث يمكن لتقدير آلي غير محسوم أن يؤثر في قرارات مصيرية، وربما يسهم في إشعال مواجهة عسكرية لم يكن أي طرف يخطط لها.
تخيّل أن نظاما للذكاء الاصطناعي يرصد تحركات غير مألوفة لطائرات أو سفن عسكرية، فيصنفها باعتبارها مؤشرات على هجوم وشيك. قد يكون الرصد دقيقا، لكن تفسير تلك التحركات بوصفها استعدادا لعمل عسكري يظل احتمالا غير مؤكد. وإذا دفعت هذه النتيجة القيادة إلى رفع حالة التأهب أو تحريك قواتها، فقد يفسر الطرف الآخر تلك الإجراءات باعتبارها تهديدا، ويرد بخطوات مماثلة، لتبدأ سلسلة من ردود الفعل المتبادلة.
في مثل هذه الظروف، لا يكون الذكاء الاصطناعي قد أعلن الحرب أو اتخذ قرار الهجوم، لكنه قد يكون أسهم في خلق بيئة تدفع الأطراف نحو التصعيد. وهنا تكمن المعضلة: ماذا يحدث عندما تسبق سرعة الإنذار القدرة على فهم حقيقة التهديد؟
إنذار صحيح.. واستنتاج خاطئ
لا يعني رصد تحرك عسكري غير معتاد معرفة الغرض منه. فقد يكون النشاط المرصود مناورة عسكرية أو إجراء احترازيا أو استعدادا لعملية هجومية. لكن في أجواء التوتر وانعدام الثقة، قد يتحول الاحتمال إلى تقدير تتعامل معه القيادة باعتباره حقيقة مؤكدة.
وتناول دينيس فوا، المتخصص في الدراسات الإستراتيجية والأمن بمعهد «إس راجاراتنام للدراسات الدولية» في سنغافورة، هذه الإشكالية في بحث بعنوان «الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرار العسكري: عندما يسبق الإنذار الفهم».
ويوضح فوا أن الإنذار الآلي لا يشترط أن يكون خاطئا بالكامل حتى يشكل خطرا؛ فقد ينجح النظام في رصد تحركات جوية أو بحرية غير مألوفة، لكنه لا يستطيع بالضرورة الجزم بأن الهجوم أصبح وشيكا.
وتبدأ المشكلة عندما تتحول هذه التقديرات إلى قرارات ميدانية. فرفع مستوى التأهب لدى دولة قد يبدو للطرف المقابل استعدادا لهجوم، فيتخذ بدوره إجراءات احترازية، ثم تُفسر هذه الإجراءات باعتبارها دليلا إضافيا على وجود نيات عدائية.
وهكذا، يمكن أن تتحول الاستجابة لإنذار غير محسوم إلى حلقة تصعيد، يصبح فيها كل طرف أكثر اقتناعا بأن الطرف الآخر يستعد للمواجهة.
دروس من إنذارات كادت تشعل الأزمات
لا تُعد مخاطر الإنذارات العسكرية الخاطئة جديدة. ففي عام 1983، تعامل الضابط السوفياتي ستانيسلاف بيتروف بحذر مع إنذار صادر عن نظام الإنذار المبكر أشار إلى إطلاق صواريخ أمريكية، ولم يعتبره دليلا كافيا على وقوع هجوم.
وفي عام 1995، أثار إطلاق صاروخ علمي نرويجي مخاوف داخل روسيا من احتمال وقوع هجوم صاروخي.
ورغم أن الحادثتين سبقتا استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية الحديثة، فإنهما تكشفان خطورة اتخاذ قرارات مصيرية استنادا إلى إشارات غير مكتملة أو قابلة لأكثر من تفسير.
فالمشكلة ليست في صدور الإنذار وحده، وإنما في كيفية التعامل معه، ومدى التحقق من صحته قبل اتخاذ إجراءات قد يصعب التراجع عنها.
من تحليل البيانات إلى التأثير في القرار العسكري
يتزايد توظيف الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية التي تتولى تحليل المعلومات واكتشاف الأهداف وتتبع التحركات. ففي عام 2024، أجرت الدول المشاركة في اتفاقية «أوكوس» تجارب لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المدعومة بالأنظمة المستقلة.
كما تواصل الولايات المتحدة تطوير نظام «مافن الذكي»، الذي يدمج بيانات المستشعرات ويساعد في اكتشاف الأجسام وتتبعها ودعم القرارات العسكرية.
لكن سرعة معالجة المعلومات لا تعني بالضرورة دقة التقديرات. فالأنظمة قد تواجه بيانات ناقصة أو ظروفا غير مألوفة، كما قد تنتج استنتاجات تبدو مقنعة رغم افتقارها إلى أدلة كافية.
وتؤكد دراسة نشرتها مجلة «نيتشر ماشين إنتليجنس» عام 2026، بعنوان «إعادة التفكير في التفاعل بين الإنسان والآلة وحوكمة الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري»، ضرورة أن تشمل الرقابة البشرية جميع مراحل حياة النظام، بدءا من تطويره واختباره، وصولا إلى تقييم أدائه والتحقق من صلاحية استخدامه.
ويعني ذلك أن وجود مسؤول بشري يوافق على القرار النهائي لا يكفي وحده لضمان السيطرة، بل يجب أن يمتلك هذا المسؤول القدرة على مراجعة التوصية وفهم أسبابها والاعتراض عليها عند الضرورة.
عندما تتحول السرعة إلى مصدر للخطر
تزداد حساسية القرارات العسكرية عندما يتلقى القادة إنذارا في وقت ضيق، بينما تظل المعلومات المتاحة غير مكتملة. فقد يبدو الانتظار للتحقق من التهديد مخاطرة، في حين قد يؤدي التحرك الفوري إلى تصعيد مبني على تقدير خاطئ.
وفي هذه الظروف، قد تؤثر توصيات الأنظمة الذكية في طريقة تفكير المسؤولين، خصوصا إذا بدت النتائج دقيقة أو مدعومة بمحاكاة معقدة.
وتناقش دراسة بعنوان «حرب الصندوق الأسود: الحكم البشري واتخاذ القرار العسكري في عصر الذكاء الاصطناعي» طبيعة العلاقة بين التوصيات الخوارزمية والقرارات البشرية، وأهمية فهم كيفية تعامل صناع القرار مع مخرجات الأنظمة الآلية.
ويشير فوا إلى أن الموافقة البشرية لا تعني بالضرورة وجود رقابة حقيقية، إذ يجب أن تتاح للمسؤول فرصة مراجعة التقديرات واختبارها وطلب معلومات إضافية قبل اعتمادها.
ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين ما رصده النظام فعليا وما استنتجه بشأن نيات الطرف الآخر، إلى جانب البحث عن مصادر مستقلة تؤكد الإنذار أو تقدم تفسيرات بديلة.
الذكاء الاصطناعي والأزمات النووية
تتضاعف المخاطر عندما تدخل التقديرات الآلية في حسابات الأزمات النووية، حيث يمكن لأي سوء فهم أن تكون له عواقب بالغة الخطورة.
وتتناول دراسة بعنوان «الذكاء الاصطناعي التوليدي والاستشراف الاصطناعي عند حافة الهاوية: مستقبل اتخاذ القرار في الأزمات النووية» دور الأنظمة التوليدية في تشكيل تصورات القادة عن نيات الخصم ومسارات التصعيد المحتملة.
وتشير الدراسة إلى مفهوم «الاستشراف الاصطناعي»، الذي يصف استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج سيناريوهات مستقبلية قد تؤثر في قرارات الاستعداد والتخطيط.
لكن تكرار محاكاة السيناريوهات الأكثر خطورة قد يمنحها وزنا أكبر في حسابات القادة، ويجعل التحركات العسكرية الملتبسة تبدو مؤشرات على نيات عدائية.
وتوضح الدراسة ذلك من خلال سيناريو افتراضي لأزمة بين الهند وباكستان عام 2029، تبدأ بتفجير في كشمير. ففي هذا التصور، يفسر نظام هندي تحركات باكستانية باعتبارها استعدادا لإشارة نووية، بينما يقرأ نظام باكستاني التحركات الهندية باعتبارها تمهيدا لضربة استباقية.
ومع رفع الطرفين مستوى الجاهزية العسكرية، تتحول الإجراءات الدفاعية إلى مؤشرات تهديد متبادلة، وتتراجع فرص التواصل الدبلوماسي واحتواء الأزمة.
وتشدد الدراسة على أن هذا السيناريو افتراضي، ولا يمثل حادثة وقعت بالفعل، لكنه يوضح كيف يمكن للتقديرات الآلية أن تؤثر في سلوك الأطراف، بل وأن تسهم في إنتاج التطورات التي تبدو لاحقا وكأنها تؤكد تلك التقديرات.
من يتحمل مسؤولية التصعيد؟
إذا أسهم إنذار صادر عن نظام ذكاء اصطناعي في دفع قرار عسكري نحو التصعيد، فإن المسؤولية لا تتوقف عند تحديد ما إذا كان النظام قد أخطأ، بل تمتد إلى الجهات التي صممته واختبرته، والقيادات التي قررت استخدامه، وآليات مراجعة مخرجاته.
وفي هذا الإطار، تناول تقرير نشرته وكالة رويترز في سبتمبر/أيلول 2026 مقترحات أمريكية وصينية لوضع ضمانات تحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، مستلهمة بعض مبادئ الرقابة على الأسلحة النووية.
ومن بين المقترحات وضع ضوابط على دمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة النووية، والحفاظ على السيطرة البشرية على الهجمات السيبرانية ذات العواقب الخطيرة، وإنشاء قنوات اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بالأنظمة المستقلة.
كما يبرز مبدأ إبقاء قرار استخدام الأسلحة النووية بيد البشر، لا الأنظمة الآلية، باعتباره أحد الضمانات الأساسية للحد من مخاطر فقدان السيطرة.
ويرى فوا أن المؤسسات العسكرية تحتاج إلى وضع إجراءات واضحة مسبقا للتعامل مع الإنذارات، وتحديد الجهات المخولة بمراجعة الاستجابة أو إيقافها، والأدلة التي تستوجب إعادة تقييم الموقف.
ويؤكد أن الإنذارات الأسرع قد تمنح القادة وقتا أطول لاتخاذ قرارات أفضل، لكن ذلك لا يتحقق إلا إذا امتلكوا القدرة على التشكيك في النتائج ومراجعتها والاختيار بين بدائل متعددة.
هل تصبح الآلة شرارة الحرب؟
لا يعني تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي أن اندلاع حرب بسبب إنذار خاطئ أصبح أمرا حتميا، كما لا توجد دلالة على أن هذه الأنظمة تسببت بالفعل في إشعال حرب بهذه الطريقة.
لكن الخطر يكمن في سلسلة مترابطة من الأحداث: رصد تحرك عسكري حقيقي، ثم تفسيره على نحو غير مؤكد، ثم اتخاذ قرار سريع بناء على هذا التفسير، وصولا إلى رد فعل من الطرف الآخر يزيد التوتر ويغذي الشكوك المتبادلة.
وبذلك، قد لا تبدأ الحرب بقرار تتخذه الآلة، وإنما بقرارات بشرية تستند إلى تقديرات آلية لم تخضع للتحقق الكافي.
فالتحدي الحقيقي ليس جعل الذكاء الاصطناعي أسرع في إطلاق الإنذارات فحسب، بل ضمان ألا تتحول سرعة التحليل إلى ضغط يدفع القادة لاتخاذ قرارات مصيرية قبل فهم ما يحدث فعلا.
















