الصحفي رفاد العياصرة يكتب الفصل التاسع: الثورة العربية والجيش - الزرقاء.. عاصمة العسكر
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة
- لماذا الزرقاء؟
ليست الزرقاء مجرد مدينة في وسط الأردن، هي الحكاية التي بدأ منها الأردن.
عندما تنظر إلى الخارطة، ترى عمان قلباً، والعقبة بوابة، والبادية رئة، لكنك سترى الزرقاء سيفاً. مدينة لم تُبنى للزينة، بل بُنيت للمهمة. صحراؤها ليست فراغاً، بل ميدان. ماؤها ليس نهراً، بل قرار بقاء. وسكتها الحديدية ليست قطاراً، بل شريان جيش.
كل جيوش العالم تبحث عن ثلاثية مقدسة: الأرض الواسعة للتدريب، والماء للبقاء، والطريق للوصول. وجدها الجيش العربي كاملة في بقعة واحدة اسمها الزرقاء. لذلك لم تكن صدفة أن يضع فيها الأمير عبدالله أول حجر لمعسكره، ولم تكن صدفة أن تبقى إلى اليوم عاصمة العسكر في الأردن، المدينة التي لا تنام فيها البنادق، والتي يولد فيها الجندي قبل أن يولد الطالب.
هذا الفصل هو قصة كيف تحولت واحة صغيرة حول قلعة قديمة إلى مصنع للرجال والدولة.
- من قصر شبيب إلى الكلية العسكرية
1921: البداية.. الأمير يصل معان ويختار الزرقاء
في عام 1921، لم يكن الأردن دولة بعد، كان فكرة تبحث عن أرض ورجل يبحث عن جيش. وصل الأمير عبدالله بن الحسين إلى معان قادماً مع رجال الثورة العربية الكبرى. كان هدفه دمشق، لكن التاريخ أوقفه في عمان.
كان عليه أن يختار مكاناً يحمي الفكرة ويجمع الرجال. لم يختر عمان المزدحمة بالأسواق، اختار الزرقاء.
لماذا؟ لأن فيها قلعة الزرقاء - قصر شبيب. قلعة رومانية قديمة، بناها الرومان قبل 2000 عام لحراسة طريقهم، جدرانها من البازلت الأسود كأنها قلعة من حديد. حولها عين ماء لا تنضب، وبجانبها محطة سكة حديد الحجاز التي تربط الشام بالجزيرة.
دخلها الأمير وجعلها معسكره الأول. وفي تلك الغرفة الحجرية الباردة، وُلد قرار تأسيس نواة الجيش العربي. من هناك، من قصر شبيب، صدرت أول الأوامر، وتجمع أول 150 رجلاً أصبحوا فيما بعد جيشاً. فأصبحت القلعة ليست مجرد أثر، بل أول مقر لقيادة الجيش العربي.
تخيل المشهد: رمال ممتدة، وخيام من الشعر، وخيول الثورة، وراية الثورة العربية الحمراء ترفرف فوق برج بازلتي أسود. من هنا بدأت الدولة.
1926: الدولة تلبس بزتها العسكرية
بعد 5 سنوات، أدركت القيادة أن حماية المدن لا تكفي، يجب حماية البادية التي هي 80% من الأردن. والقبائل لا يحكمها شرطي من المدينة، بل يحكمها ابنها الذي يفهم عاداتها.
ففي عام 1926، تأسست في الزرقاء قوة البادية والأمن. كانت فكرة عبقرية لجون جلوب باشا "أبو حنيك" والأمير عبدالله. قوة من أبناء البادية أنفسهم، يلبسون العقال والشماغ، يركبون الجمال والخيول، يحملون السيف والبندقية. مهمتهم: حفظ الأمن، ومنع الغزو، وحل النزاعات العشائرية.
وكانت الزرقاء هي المقر الطبيعي لها، لأنها على حافة البادية تماماً. منها تنطلق الدوريات إلى الأزرق والجفر والرويشد. هنا تعلم البدو النظام العسكري، وهنا تعلم الجيش النظام البدوي. وتزاوج الاثنان فأنجبا ما يسمى اليوم بقوات البادية الملكية، صمام أمان الأردن.
لماذا الزرقاء عسكرية؟ الجواب في الجغرافيا
يسأل الكثيرون: لماذا كل معسكرات الأردن في الزرقاء؟ الجواب بسيط وعسكري بامتياز:
1. صحراء واسعة للتدريب: الزرقاء تملك أكبر مساحة صحراوية منبسطة في شمال الأردن، تستطيع فيها أن تطلق قذيفة مدفع أو تدرب لواء دبابات كامل دون أن تقلق على بيت أو مزرعة.
2. قريبة من عمان: هي 25 كيلو فقط عن العاصمة، قريبة بما يكفي لحمايتها في ساعة، وبعيدة بما يكفي لكي لا تزعجها أصوات الرماية.
3. فيها ماء وسكة حديد: وهما شرطان الحياة لأي جيش في الصحراء. عين الزرقاء كانت تروي الجيش، وسكة حديد الحجاز كانت تنقل الجنود والسلاح والعتاد من الشام إلى الجنوب.
لهذا، ومن يومها إلى اليوم، الزرقاء هي المدينة الوحيدة في الأردن التي تسمع فيها كل صباح صوت الطابور: معسكرات خو، ومعسكرات الزرقاء، والكلية العسكرية الملكية التي تخرج الضباط. كل أردني خدم عسكرية، له ذكرى في تراب الزرقاء، له حصة تعب في شمسها.
1948 و 1967: الزرقاء.. مدينة المهاجرين
لم تكن الزرقاء مدينة للجيش فقط، بل كانت مدينة للقلب.
عندما حدثت النكبة عام 1948، وعندما حدثت النكسة عام 1967، لم تغلق الزرقاء أبوابها. وهي المدينة العسكرية المنضبطة، فتحت قلبها لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين جاءوا مشياً على الأقدام.
استقبلت الزرقاء وحدها ما يزيد عن مئات آلاف اللاجئين. ونتيجة لذلك تأسس فيها مخيم الزرقاء عام 1949، وهو أول مخيم للاجئين في تاريخ الأردن كله. كان عبارة عن خيام من القماش على أطراف المعسكرات.
ثم بعد نكسة 1967، تأسس المخيم الثاني الكبير مخيم حطين (مخيم شنلر) عام 1968، وسمي شنلر نسبة إلى دير شنلر الألماني القريب.
هذان المخيمان غيرا وجه المدينة للأبد. لقد ضاعفا سكان المدينة بين ليلة وضحاها، وجعلاها مدينة المهاجرين والأنصار. الجندي الذي كان يتدرب في معسكر خو، أصبح جاره في المخيم لاجئ فلسطيني. تقاسما الخبز والماء والمدرسة. ومن هذا الانصهار، من بدوي وبُخاري وشركسي وفلسطيني، وُلدت الزرقاء الجديدة، المدينة التي لا تسأل من أين أنت، بل تسأل كم تخدم.
هكذا، من قلعة رومانية إلى مقر للثورة، ومن قوة بادية إلى أكبر قاعدة عسكرية، ومن مدينة تستقبل اللاجئين، بقيت الزرقاء هي القصة الكاملة للأردن: جيش يحمي، وشعب يحتضن.
















