الدكتورة العبادي تكتب: حين يُستباح الأمان في بيت الله… يبقى الأردن عصيًّا على الفتنة
بقلم: الدكتورة سماح الرماضنة العبادي
ليس للإرهاب دين، ولا للقتل مبرّر، ولا للكراهية وطن. فالإرهاب جريمة تستهدف الإنسان في حقّه بالحياة والأمان، مهما كانت الشعارات التي يتخفّى خلفها أو الذرائع التي يسعى إلى تبرير جرائمه بها.
تتوشّح الأردن بالسواد حزنًا على أرواحٍ بريئة، وتخيّم على القلوب غمامة ألمٍ تشبه عتمة ليالي كانون وقسوة بردها. وما أشدّ قسوة أن يأتي الموت غدرًا، وأن يُفاجأ الإنسان بالخطر وهو مطمئن في كنف بيت الله، حيث السكينة والعبادة والأمان. إنها فاجعة لا تختصر وجع أسر الضحايا وحدها، بل تمسّ وجدان وطنٍ بأكمله، وتوقظ فينا أسئلةً موجعة عن حق الإنسان في أن يعيش آمنًا، بعيدًا عن العنف والخوف.
أيّ ذنبٍ اقترفه الأبرياء سوى أنهم قصدوا مكانًا للعبادة، مطمئنين إلى حقّهم الطبيعي في الحياة؟ وبأيّ حقّ تُزهق الأرواح وتُروَّع النفوس؟ وأيّ فكرٍ يمكن أن يمنح أصحابه سلطةً يقرّرون بها مصائر الآخرين، وكأنّ حياة الإنسان أمرٌ هيّن لا حرمة له؟
إنّ استباحة الدماء لا تصنع قضية، وإرهاب الآمنين لا يحقّق عدالة، والأفكار التي تبرّر القتل لا يمكن أن تكون أساسًا لبناء مجتمعٍ أو حماية وطن. فالحياة حقّ أصيل، وكرامة الإنسان قيمة لا تسقط باختلاف الدين أو المعتقد، ودور العبادة ينبغي أن تبقى فضاءاتٍ للسكينة، لا أماكن للخوف والفقد.
ومن هنا، فإنّ مواجهة الإرهاب مسؤولية وطنية وإنسانية وأخلاقية، تبدأ بإدانة الجريمة، وتترسّخ بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وتكتمل برفض خطاب الكراهية والتعصّب، وصون وحدة المجتمع من كل محاولةٍ لاستغلال الألم وبثّ الفرقة بين أبنائه.
الأردن عصيّ على الفتنة، أكبر من أن تنال منه جريمة، وأرسخ من أن تهزّ وحدته أفكارٌ تستبيح الحياة. فهذا الوطن الذي جمع أبناءه على المحبة والتسامح، لم تكن قوّته يومًا في تشابه أبنائه، بل في قدرتهم على العيش معًا، واحترام اختلافاتهم، والإيمان بأنهم شركاء في الأرض والمصير.
لقد شكّل التآخي الديني والاجتماعي عبر تاريخ الأردن إحدى ركائز هويته الوطنية؛ فالمحبة بين أبنائه ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسةٌ يومية تتجلى في الجيرة، والعمل، والأفراح والأتراح، وفي الوقوف إلى جانب الإنسان دون النظر إلى معتقده أو خلفيته. ومن هذا الإرث الأصيل يستمدّ الأردن قدرته على تجاوز المحن، وحماية نسيجه الاجتماعي من محاولات العبث به.
إنّ أخطر ما قد تخلّفه جرائم الإرهاب، إلى جانب خسارة الأرواح، هو محاولتها زرع الشكوك بين أبناء المجتمع الواحد، وتحويل الحزن إلى خلاف، والخوف إلى انقسام. لذلك، فإنّ مسؤوليتنا اليوم تقتضي التمسك بالحقيقة، ورفض الشائعات والأحكام المتسرّعة، وعدم السماح للجريمة بأن تتحوّل إلى مدخلٍ للفتنة أو سببٍ للمساس بعلاقاتٍ إنسانية ووطنية أصيلة.
فالأردن لا يحميه الأمن وحده، على أهميته، بل يحميه أيضًا وعي أبنائه، واحترامهم للقانون، وتمسكهم بقيم المواطنة والتسامح، ورفضهم لكل فكرٍ يحاول أن يجعل من الاختلاف سببًا للعداء. وتبدأ هذه الحماية من الأسرة والمدرسة، وتمتدّ إلى الإعلام ومؤسسات المجتمع، حيث تتكامل الجهود في ترسيخ ثقافة الحوار، وقبول الآخر، وصيانة كرامة الإنسان.
لسنا شعبًا عابرًا لا يدرك المقاصد، ولا مجتمعًا يسهل النيل من وحدته. نحن الأردنيين نعرف قيمة وطننا، وندرك أنّ قوّتنا الحقيقية تكمن في تماسكنا، وفي قدرتنا على مواجهة التحديات بالحكمة والوعي والمسؤولية. نبني وطننا بالعمل والإنجاز، ونحمي كرامته بالتمسك بثوابته الوطنية، ونصون أمنه برفض كل ما يهدّد سلامة أبنائه أو يسعى إلى تمزيق نسيجه الاجتماعي.
يا أردن، كم أثقلت جراح أبنائك قلبك، وكم واجهت من تحدياتٍ حاولت أن تنال من استقرارك! ومع ذلك، يبقى الرهان على وعي الأردنيين ووحدتهم، وعلى إيمانهم بأن الوطن لا يُصان بالشعارات وحدها، بل بالمواقف المسؤولة، والالتفاف حول مؤسساته الوطنية، والاحتكام إلى القانون، وتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار.
إنّ الوفاء للضحايا لا يكون بالحزن وحده، بل بالوقوف إلى جانب ذويهم، واحترام حرمة الفاجعة، والعمل على منع تكرارها. كما أنّ العدالة تقتضي كشف الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، فيما تقتضي الحكمة ألّا نسمح للجريمة بأن تزرع العداوة بين الأبرياء أو أن تجعل من اختلاف الدين سببًا للخوف والتباعد.
سيبقى الأردن وطن المحبة والتسامح، وستظلّ وحدته الوطنية أمانةً في أعناق أبنائه جميعًا. لن نسمح للإرهاب أن يحدّد هويتنا، ولا للكراهية أن ترسم مستقبلنا، ولا للفتنة أن تعبث بعلاقاتٍ رسّختها الأخوّة وعزّزها الانتماء الوطني. فالأردن أكبر من كل محاولةٍ للنيل من تماسكه، وأقوى بإرادة شعبه وتمسّكه بقيم الحياة والكرامة والعدالة.
رحم الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء. ولتكن رسالتنا واضحة: لا للإرهاب، لا للتعصّب، لا للكراهية، ونعم للحياة والعدالة والتسامح.
فالأردن وطنٌ يتّسع لجميع أبنائه، ووحدته ليست شعارًا نرفعه في أوقات الأزمات، بل عهدٌ نحمله في قلوبنا، ونحميه بمواقفنا، ونورّثه للأجيال القادمة.














