facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب الفصل الثامن: الشيشان والشام والسكة الحديدية - ولادة المدينة 1902

الصحفي رفاد العياصرة يكتب الفصل الثامن: الشيشان والشام والسكة الحديدية  ولادة المدينة 1902
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة 

: قبل 1902 لم تكن هناك مدينة

تخيل الزرقاء قبل 1902. لا شيء. مجرد وادٍ صامت يشقه نهر أسود المياه - سيل الزرقاء - تحيط به تلال جرداء وبعض خيام بدو بني حسن التي تنصب في الربيع وترحل في الصيف. مكان يعبره المسافر ولا يسكنه أحد. صحراء تعوي فيها الرياح.

لكن في إسطنبول، على بعد آلاف الكيلومترات، كان هناك رجل يفكر فيها. السلطان عبد الحميد الثاني. كان يرى أن هذه الصحراء الفارغة هي مفتاح حماية مملكته.

* ثلاث موجات صنعت مدينة*

1. الموجة الأولى 1902: الشيشان - حجر الأساس

في القوقاز البعيد، كان الروس القياصرة يذبحون ويهجرون شعباً مسلماً كاملاً: الشيشان. هربوا بدينهم وأطفالهم من جحيم روسيا.

هنا تدخل السلطان عبد الحميد. لم يكن قراره مجرد رحمة، كان ذكاءً استراتيجياً. أمر بتوطين هؤلاء المقاتلين الأشداء، المسلمين الأتقياء، على ضفة نهر الزرقاء. لماذا؟ لأنهم محاربون لا يهابون الصحراء، وسيكونون حراساً أوفياء لخط الحجاز.

وصلت 40 عائلة شيشانية فقط. 40 عائلة! تخيل. لا يملكون إلا ما حملته أيديهم. لكنهم فعلوا ما لم يفعله أحد قبلهم: بنوا بيوتاً من الحجر. أول بيوت حجرية ثابتة في تاريخ الزرقاء. لم تعد خيمة ترحل، بل بيت له باب وجدار.
وأول ما بنوا قبل بيوتهم، بنوا بيت الله. المسجد الشيشاني الكبير. ما زال واقفاً إلى اليوم في الوسط التجاري، أقدم مسجد في الزرقاء، حجارته السوداء تشهد أن هذه المدينة لم تولد صدفة، بل ولدت على سجادة صلاة.

2. الموجة الثانية 1903: الحديد الذي صرخ فجاءت الحياة

بعد سنة واحدة فقط، حدثت المعجزة التي غيرت كل شيء. وصلت سكة حديد الحجاز.

صفارة القطار العثماني شقت صمت الصحراء لأول مرة. وفجأة، لم تعد الزرقاء قرية منسية. أصبحت محطة. بل أهم محطة بعد عمان.

هل تتخيل المشهد؟ كل حاج من الشام إلى مكة يمر من هنا. كل جندي عثماني، كل رسالة من السلطان، كل تاجر، كل بضاعة، يجب أن تتوقف في الزرقاء. المحطة صارت قلباً ينبض. حولها نمت دكاكين، قهاوي، فنادق للمسافرين. صوت القطار كان يقول: هنا مدينة قادمة.

3. الموجة الثالثة 1910: الشوام - العقل واليد

القطار يحتاج من يشغله، والمحاجر حول الزرقاء تحتاج من يعمل بها. فجاء النداء الثاني.

هذه المرة من الغرب. من نابلس والقدس ودمشق. جاءت هجرة شامية، عائلات حرفية وتجار وعمال مهرة. الشيشاني أسس الأرض، والشامي بنى فوقها الاقتصاد.

هنا التقى القوقازي الذي هرب من الثلج، مع النابلسي الذي جاء من جبال الزيتون، على رصيف محطة عثمانية.

هنا بالضبط، في هذا اللقاء بين 1902 و 1910، لم تعد الزرقاء قرية من 40 بيتاً. تحولت إلى مدينة. ولادة الزرقاء التي نعرفها اليوم لم تكن يوماً واحداً، بل كانت عشر سنوات من ثلاث هجرات صنعها قطار.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير