الصحفي رفاد العياصره يكتب الفصل الخامس من سردية الزرقاء
بقلم - الصحفي رفاد العياصره
.. حين كانت الزرقاء قلب العالم القديم*
المقدمة: الزرقاء لم تكن صحراء عابرة
من يرى الزرقاء اليوم بزحامها ومصانعها، يظن أنها مدينة حديثة ولدت مع سكة الحديد. وهذا أكبر ظلم للتاريخ.
الزرقاء لم تكن يوماً على الهامش. الزرقاء كانت هي الطريق نفسه.
تخيل الخريطة القديمة. في الشمال جرش "جراسا" المدينة الذهبية التي يصفق لها الرومان، وفي الجنوب عمان "فيلادلفيا" حبيبة القلوب. وبينهما، كشريان حياة، ينساب نهر الزرقاء - نهر اليبوك التوراتي - وحوله بساتين وقمح وماء لا ينقطع.
من يسيطر على هذا النهر، يسيطر على حياة المدينتين. لذلك لم يتركها أحد. كل إمبراطورية مرت من هنا، وضعت حجراً وقالت: هذه لنا. وهذا الفصل، الذي يمتد لنحو ألف عام، هو الفصل الذي جعل الزرقاء أغنى من الذهب.
المتن: ثلاث حضارات صنعت مجد الزرقاء
1. اليونان والرومان: مهندسو المدن.. حين بنت الزرقاء الإمبراطورية
حين دخل الإسكندر المقدوني عام 332 ق.م، لم يجد صحراء، وجد موقعاً استراتيجياً عبقرياً. فقرر اليونان، ومن بعدهم الرومان، أن يحولوا المنطقة إلى سلسلة مدن متحضرة اسمها "الديكابولس" - حلف المدن العشر.
وكانت الزرقاء هي الجسر الحي بين أهم مدينتين في الحلف: جراسا وفيلادلفيا. لم تكن مجرد طريق ترابي، بل كانت طريقاً مرصوفاً بالحجارة الرومانية، تسير عليه الجيوش والقوافل.
ولأن النهر هو الحياة، بنى الرومان قلعة مرعبة لا تزال تقف حتى اليوم شاهدة على عبقريتهم: قلعة الحلابات. قلعة ضخمة من الحجر البازلتي الأسود، بنيت خصيصاً لحماية نهر الزرقاء من غزوات البدو وقطع الطريق. كانت عين روما التي لا تنام على الماء.
والأكثر إثارة؟ أن أشهر قصور الصحراء التي ننسبها للأمويين، مثل قصر عمرة وقصر الحرانة، لم يبدأها الأمويون من الصفر. بل بنوها فوق أسس رومانية قديمة. الرومان هم من اكتشف أن هذه المنطقة هي المنتجع الشتوي المثالي، ونحن فقط أكملنا ما بدأوه.
2. الأنباط: تجار العالم.. حين كانت الزرقاء وول ستريت الماشية
قبل الرومان وبعدهم، كان هناك شعب لا يصنع الحروب، بل يصنع المال: الأنباط.
الأنباط سيطروا على كل تجارة القوافل من اليمن إلى دمشق. ذهب، بخور، توابل، حرير. وكل هذه القوافل كان لا بد أن تمر بالزرقاء لتشرب من نهرها وتستريح.
هنا تكمن عبقرية الزرقاء النبطية. لم تكن مدينة معابد، كانت مدينة أسواق. الزرقاء كانت السوق النبطي الأكبر للماشية في المنطقة. تخيل المشهد: آلاف الجمال والأغنام والخيول، تجار من البتراء ومن غزة، صراخ، مساومة، ذهب يلمع. الزرقاء كانت بورصة التجار القديمة. من يريد أن يبيع أو يشتري، لا بد أن يمر بسوق الزرقاء.
3. الرومان مرة أخرى: سادة الماء والقمح
وعاد الرومان ليضعوا بصمتهم التي لا تمحى.
فهموا أن فيلادلفيا - عمان - الكبيرة لا يمكن أن تعيش بدون الزرقاء. فماذا فعلوا؟
بنوا سداً رومانياً عملاقاً على نهر الزرقاء، لا تزال بقاياه حتى اليوم في الرصيفة. سد هندسي عبقري لحجز الماء وتنظيم الري. وبنوا جسراً رومانياً حجرياً في قلب الزرقاء لتعبر عليه فيالقهم دون أن تقطعها السيول.
كانت وظيفة الزرقاء في الإمبراطورية الرومانية واضحة ومحددة: أن تزود فيلادلفيا بالماء والقمح. نحن كنا سلة غذاء العاصمة. كنا خزان الماء الذي يشرب منه الرومان، وحقل القمح الذي يصنعون منه خبزهم.
لهذا، حين تقف اليوم على ضفة نهر الزرقاء، تذكر أنك لا تقف على نهر عادي. أنت تقف على النهر الذي شرب منه اليوناني، وتوضأ منه النبطي، وبنى عليه الروماني سداً وجسراً وقلعة. أنت تقف على أغنى فصل في تاريخ هذه المدينة، الفصل الذي يقول بوضوح: الزرقاء لم تكن يوماً مدينة عابرة.. بل كانت هي الازدهار نفسه.















