في يومهن العالمي.. ريفيات أردنيات يقدمن نماذج ملهمة تصنع فرقا في مجتمعاتهن
القبة نيوز- بأصابع تفوح بعبق الأرض، وعزيمة لا تكسرها قسوة الظروف، تكتب ريفيات أردنيات فصلاً جديداً من فصول البناء والعطاء، وتزامنا مع اليوم العالمي للمرأة الريفية، الذي يصادف غدا الخميس، تنشر وكالة الأنباء الأردنية (بترا) بعض حكايات لملهمات لم يقفن عند حدود التحديات، بل حوّلن شغفهن إلى مشاريع ريادية ومستدامة، تعيد صياغة الاقتصاد المحلي وتصنع فارقاً حقيقياً في مجتمعاتهن.
ومن بين هذه الحكايات يتكشف مشروع "مناحل بيسان" في محافظة جرش، الذي تقوده الريادية ابتسام السلامات، والتي لم تكن المناحل بالنسبة لها مجرد خلايا لإنتاج العسل ومشتقاته فحسب، بل تحولت إلى مقصد سياحي ريفي متكامل، وحول هذه النقلة النوعية، تقول ابتسام إنها ومع مرور الوقت، بدأت تفكر في كيفية تقديم تجربة مختلفة للزوار، تتيح لهم التعرف على عالم النحل، ومشاهدة مراحل إنتاج العسل، وتذوق منتجاته، والاستمتاع بالطبيعة والضيافة الأردنية الأصيلة.
وتمثلت محطة ابتسام المفصلية بمشروعها في حصولها على قرض ميسر من مؤسسة الإقراض الزراعي، وحول هذا الدعم، تقول: "كان الحصول على قرض من مؤسسة الإقراض الزراعي محطة مهمة في مسيرة المشروع؛ لأنه ساعدني على تطوير المطبخ الإنتاجي وتجهيزه بصورة أفضل، ما أتاح لي توسيع نطاق الخدمات المقدمة للسياح والبدء بتقديم وجبات الطعام لهم، إلى جانب تجربة المناحل".
وأوضحت أن التمويل ساعد المشروع على الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً وتوفير المعدات اللازمة، ولم يقتصر الإنتاج على العسل فحسب، بل توسع ليشمل مشتقات الخلية القيّمة مثل: العكبر، حبوب اللقاح، كريم سم النحل، وصابون العسل، مشيرة إلى أن نجاح "مناحل بيسان" لم ينعكس على جودة الخدمات السياحية فحسب، بل امتد ليكون نواة لتمكين سيدات المجتمع المحلي اللواتي يعملن في مجالات مختلفة؛ تساعد بعضهن في المطبخ الإنتاجي لتجهيز وتقديم الطعام عند وجود مجموعات سياحية، وأخريات منتِجات لمواد طبيعية يروجن لها ويبعنها للمجموعات السياحية.
كما تشارك نساء أخريات في شرح معلومات عن خلايا النحل وأثرها في البيئة، فيما تتولى أخريات التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويضم التعاون، بحسب السلامات، حالياً نحو 4 سيدات، وسط مساعٍ حثيثة لتأسيس جمعية زراعية لتضم وتعمل مع ما يقارب 20 سيدة، ما يسهم في توفير فرص العمل وتحقيق الاستدامة.
وعلى الصعيد الأسري والمعيشي، تؤكد ابتسامK بصفتها أماً لأربعة أبناءK أن دافعها الأساسي كان بناء مشروع مستدام يمنح أسرتها حياة أفضل ويحول جهدها إلى رزق كريم، وتقول في ذلك: "لم يقتصر مشروعي على زيادة الإنتاج وتوسيع الخدمات، بل انعكس أيضا على أسرتي، إذ أصبح المشروع مصدر دخل أعمل من خلاله على توفير احتياجات عائلتي وتحسين ظروفها المعيشية".
وتختتم الرائدة ابتسام السلامات حديثها برسالة تؤمن بها: "أؤمن أن تمويل المشاريع الصغيرة، عندما يقترن بالإرادة والعمل والتخطيط، يمكن أن يساعد أصحابها على تطوير أعمالهم وابتكار مصادر دخل جديدة. وطموحي أن أواصل تطوير مناحل بيسان لتكون نموذجاً للمشاريع الريفية التي تجمع بين الزراعة والسياحة وتمكين المرأة وخدمة المجتمع المحلي".
ومن مدينة السلط، حيث يلتقي التاريخ بخصوبة التلال، خطّت جمعية رناس النسائية التعاونية بقيادة الدكتورة لينا ارشيد قصة نجاح إنسانية وتنموية فريدة، انطلقت الحكاية عام 2008 بمبادرة رائدة من 17 مهندسة زراعية، عقدن العزم على تمكين النساء وخاصة المهندسات الزراعيات، وتوفير بيئة تدريبية وعملية تحول المعرفة إلى أثر ملموس، حتى استقر عدد منتسبات الجمعية على 28 سيدة يؤمنّ بأن غذاء المجتمع هو رسالة أمانة.
وبحسب إرشيد، شكلت الجمعية حاضنة للإبداع والانتاج؛ إذ تبنت مشاريع نوعية في التصنيع الغذائي التراثي والصحي، بابتكار منتجات نوعية كزبدة الزيتون والمخللات المنشطة بالبروبيوتك، ومشاريع رائدة للزراعة العضوية وغذاء طلبة المدارس، كما أنتجت المخللات والمربيات ودبس الرمان ومركزات العصائر والخل والزيتون ومشتقاته والمقدوس، ولم تتوانَ عن حصد اعتراف عالمي بالجودة، فتوجت جهودها بالحصول على شهادات مطابقة الجودة وشهادة الأيزو العالمية، متسلحة بشراكات استراتيجية واسعة مع مؤسسات محلية ودولية كوكالة التنمية الأمريكية والتعاون الإيطالي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومبادرة إرادة والجمعية العلمية الملكية، وحصلت على دعم تمويلي من صندوق التنمية والتشغيل لتعزيز مسيرتها.
وعلى طريق الاستدامة البيئية، واجهت الجمعية تحديات المياه والمناخ بنهج واعٍٍ يعتمد على تدوير الموارد وتقليل الهدر في الغذاء والماء والطاقة، متقدمة بمقترحات بحثية مشتركة مع جامعات إيطالية لاستخلاص مركبات مفيدة من مخلفات التصنيع.
وفي أفق الأسواق، حملت الجمعية تراث السلط إلى معارض وطنية وعالمية كبرى كمهرجان الزيتون ومعرض سيايال كندا، رافعةً شعار التدريب والتمكين ببرامج متكاملة درّبت مئات الأشخاص، وأهلت أكثر من 30 سيدة ليصبحن موردات رئيسيات لمشغل الجمعية أو صاحبات مشاريع مستقلة.
وفي قلب هذه المسيرة، تبرز رسالة لينا ارشيد واضحة جلية؛ بأن المرأة الريفية هي الشريان النابض للاقتصاد الأسري والوطني، وكل فكرة صادقة متسلحة بالعلم والتدريب قادرة على أن تحيل التحديات إلى مصدر دخل مستدام، بانتظار تشريعات تفضيلية تدعم التعاونيات، وتفتح آفاق التصدير والتمكين الشامل.
وفي نموذج حي يعكس إرادة المرأة الريفية وقدرتها على الابتكار وتحويل التحديات إلى فرص، أكدت رئيسة جمعية سيدات نجده، نبيلة أبو غليون، أن الجمعية تخطو خطوات واثقة نحو التمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة، محولة فائض الإنتاج المحلي إلى منتجات طبيعية عالية الجودة ذات قيمة مضافة.
وأوضحت أن فكرة تأسيس الجمعية انطلقت من حاجة ملحة لاستثمار المنتجات الزراعية المحلية وحمايتها من التلف بدلاً من تعرضه للهدر، عبر تقنيات التجفيف الحديثة، مشيرة إلى أن الغاية لم تقتصر على الجانب الإنتاجي فحسب، بل رَسَمت الجمعية هدفاً استراتيجياً بعيد المدى يتمثل في توفير فرص عمل حقيقية لسيدات المجتمع المحلي وتعزيز دورهن الفاعل في عجلة التنمية الاقتصادية، ومع مرور الوقت، نجح فريق العمل في تطوير أساليب الإنتاج، والتجفيف، والتعبئة والتغليف، مع التركيز على معايير الجودة والتسويق، ما أثمر عن نقلة نوعية حولت الفكرة التقليدية إلى مشروع ريادي متكامل.
وقالت أبو غليون، إن منتجات الجمعية، التي حملت اسم قرية نجده الواقعة بعد محمية دبين وتبعد عن العاصمة عمان 65 كيلومترا، المجففة في السوق المحلي تتميز باعتمادها المطلق على خضار وفواكه طبيعية 100 بالمئة، مع حرص دائم على اختيار المواد الخام الطازجة والسليمة، والحفاظ على خصائصها الغذائية قدر الإمكان وفق أسس التجفيف والتخزين السليمة.
وبينت أن الجمعية تقدم للمستهلكين بدائل طبيعية ومبتكرة تتيح إعداد الأطعمة والمشروبات على مدار العام، ما يقلل الاعتماد على المنتجات المصنعة ذات الإضافات الكيميائية، مؤكدة التزام الجمعية بتقديم منتجات خالية من المواد الحافظة المضافة، مع إخضاع العمليات كافة لمتطلبات سلامة الغذاء والنظافة العالية.
وأشارت إلى أن العنصر النسائي يشكل عصب المشروع وقلبه النابض؛ حيث يسهم العمل في الجمعية في التمكين الاقتصادي والاجتماعي لسيدات المجتمع المحلي عبر توفير فرص عمل منتجة وإكسابهن خبرات عملية متقدمة في قطاع التصنيع الغذائي.
وأوضحت أن السيدات يشاركن بفاعلية في مراحل العملية الإنتاجية كافة، بدءاً من استقبال المحاصيل وفرزها وغسلها وتقطيعها، مروراً بمراحل التجفيف ومراقبة الجودة، وصولاً إلى التعبئة، والتخزين، والتسويق، مؤكدة أن الأثر لا يقتصر على تحسين الدخل الفردي ومستوى المعيشة فحسب، بل يمتد لتعزيز روح الفريق والعمل الجماعي، مع تطلع الجمعية لزيادة الطاقة الإنتاجية وفتح أسواق جديدة لإشراك عدد أكبر من السيدات مستقبلاً وتعزيز الشراكات التنموية.
وأضافت أن تقنية التجفيف تؤدي دوراً محورياً في استيعاب فائض الإنتاج الزراعي الموسمي في المنطقة، وتحويله إلى منتجات قابلة للتخزين لفترات أطول، ما يقلل نسبة الفاقد الزراعي ويرفع القيمة الاقتصادية للمحاصيل المحلية.
وأشارت إلى أن هذه المنتجات تسوق عبر قنوات البيع المباشر، والمعارض، والبازارات، والفعاليات المحلية، مع وجود خطط طموحة لتوسيع شبكة التوزيع لتشمل المتاجر الكبرى والأسواق الخارجية.
وأكدت أن المشاريع الريفية الزراعية تضطلع بدور استراتيجي في دعم الاقتصاد الوطني، وإيجاد فرص العمل، وتعزيز مشاركة المرأة، مبينة أن هذه المشاريع تبرز كرافد أساسي لتنشيط السياحة الريفية، من خلال إبراز المنتجات المحلية والتراث الغذائي الأصيل، وتشجيع الزوار على اكتشاف الحرف والصناعات الغذائية التقليدية التي تزخر بها المجتمعات الريفية في المملكة.
















