الصحفي رفاد العياصرة بكتب من كتاب: أخلاقك على الأسفلت
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة
الفصل السابع: أطفال الشوارع
-----------------
إنَّ الأممَ لا يُقاسُ تقدُّمها بما تملك من أبراجٍ وناطحات سحاب، بل بما تملك من شوارعَ نظيفةٍ وأطفالٍ مهذَّبين. فإذا أردتَ أن تعرفَ مستقبلَ أمّةٍ، فلا تذهب إلى وزاراتها، بل اذهب إلى أزقَّتها وشوارعها بعد العصر.
هناك، في ذلك المسرحِ المكشوف، ستعرفُ الحقيقةَ المرّة. ستعرفُ أننا أمّةٌ أطلقت أطفالها في الشارع كالقطعانِ السائبة، ثم جلست في بيوتها تحلمُ بأن تصحو يوماً فتجد نفسها في عصرِ التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وهيهات.
كيف لأمّةٍ تترك صغارها للشارع أن تحلقَ في الفضاء؟
انزل إلى شارعك، وانظر.
أولاً: البسكليت.. من وسيلةِ براءة إلى أداةِ فوضى.
لقد تحوّل البسكليت من لعبةِ طفلٍ بريئة إلى صاروخٍ طائشٍ بلا فرامل ولا ضمير. ترى الطفلَ في العاشرة، بلا
وعي، يتمايلُ وسطَ الشارعِ العام، يقطعُ الطريقَ على السيارات، ويسيرُ عكسَ السير، فإذا نبَّهته ببوقِ سيارتك، رمقك بنظرةِ تحدٍّ كأنَّ الشارعَ ميراثُ أبيه.
ثانياً: العجلاتُ المتحرِّكة.. انتحارٌ مجاني.
السكوتر، والسكيت بورد، تلك العجلاتُ التي صُنعت للحدائقِ المغلقة، أصبحت تستعملُ للتشبُّثِ بالسياراتِ المسرعة. مشهدٌ عبثيٌ لطفلٍ يتشبَّثُ ببابِ شاحنةٍ مسرعةٍ وهو يضحك، لا يدري أن ضحكته تلك قد تتحولُ في ثانيةٍ إلى صراخِ أمٍّ ثكلى. وإذا وقعت الكارثة، خرجَ عليك الأهلُ كلُّهم يصرخون: "إنه طفل!"، نعم طفل، لكنكم أنتم من وضعتموه تحت عجلاتِ الموت.
ثالثاً: لعبُ الكرة.. احتلالُ الشارع.
أما لعبُ الكرةِ في الشارع، فهو احتلالٌ كامل. حجرٌ يميناً وحجرٌ شمالاً ويصبحُ الشارعُ ملعباً دولياً. تتوقفُ السيارات، يتعطَّلُ المارة، تُخدشُ السياراتُ الواقفة، يُكسرُ زجاجُ الجيران، وكلُّ ذلك تحت شعار: "دعه يلعب". نعم، دعه يلعب، ولكن علِّمه أين يلعب. الشارعُ ليس ملعباً، الشارعُ طريقٌ للناسِ وأرواحِهم.
رابعاً: الألفاظُ البذيئة.. السقوطُ الأخلاقي.
وهنا الطامةُ الكبرى. طفلٌ في الثامنةِ من عمره، لا يحفظُ سورةَ الإخلاص، لكنه يحفظُ قاموساً كاملاً من السِّبابِ والشتائمِ التي يندى لها جبينُ الشيطانِ نفسه.
سبُّ الدينِ أصبح تحيةً، وقذفُ الأمهاتِ والأعراضِ أصبح تشجيعاً أثناء اللعب. تسمعُ من أفواههم ما لا تسمعه في أزقَّةِ السجون. فأين الآباء؟ وأين الأمهات؟
الأبُ الذي يغضبُ لو شتم ابنه أخاه في البيت، يبتسمُ ببلاهةٍ حين يسمعه يشتمُ أعراضَ الناسِ في الشارعِ ويقول: "سيكبرُ ويعقل". لا يا سيدي، لن يعقل، من شبَّ على الشتيمةِ في الشارعِ، شابَ عليها في المحكمة.
وهنا نسألُ السؤالَ المرَّ: هل بهؤلاءِ سنبحرُ إلى عصرِ التكنولوجيا؟
هل بجيلٍ تربَّى على البسكليتِ الطائشِ والكرةِ في وسطِ الشارعِ وسبِّ الدينِ بأعلى الصوت، سننافسُ اليابانَ وكوريا؟
أمرٌ صعب، بل أمرٌ مستحيل.
إنَّ التكنولوجيا لا يصنعُها أطفالُ الشوارع، بل يصنعُها أطفالُ المكتباتِ والمختبرات. يصنعُها طفلٌ تعلَّم كلمةَ "عيب" قبل أن يتعلَّمَ كلمةَ "لايك". يصنعُها طفلٌ احترمَ الشارعَ قبل أن يحلمَ باختراعِ طائرة.
نحن لا نُربي أطفالاً، نحن نُطلقهم في الشوارعِ ثم نشتكي لماذا سبقنا العالم.
العالمُ سبقنا لأنه وضعَ طفله على مقعدِ الدراسة، ونحن وضعنا طفلنا في قارعةِ الطريق.















