الصحفي رفاد العياصرة يكتب الفصل الرابع: جبل الأشرفية والجوفة والتاج - القلب الشعبي
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة
كل المدن لها واجهة زجاجية تلمع للضيوف، وعمان ليست استثناءً. واجهتها في عبدون والصويفية، مطاعمها الفاخرة ومولاتها الباردة. لكن من يريد أن يفهم هذه المدينة حقاً، عليه أن يدير ظهره للواجهة ويصعد.
يصعد إلى الشرق. هناك، حيث ينقطع الإسفلت الناعم ويبدأ الدرج المحفور في الصخر. هذه ليست عمان التي تتصور، هذه هي عمان التي تتعب، التي تستيقظ قبل المنبه، التي تدفع الإيجار في أول الشهر بالقرش. إذا كانت عمان الغربية هي غرفة الضيوف، فالأشرفية والجوفة والتاج هم المطبخ والقلب. هنا لا أحد يأتي ليلتقط صورة، هنا الناس تأتي لتعيش.
1. الأشرفية: مدينة فوق مدينة.
الأشرفية ليست مجرد جبل، هي طبقات من الزمن فوق بعضها. تبدأ من سفحها حيث سوق الجمعة، وتنتهي فوق عند مسجد أبو درويش. هذا المسجد ليس كأي مسجد، حجارته سوداء وبيضاء كرقعة الشطرنج، بناه الشركس، ويقف كمنارة. قف عنده، وسترى كل عمان دفعة واحدة: من جبل القلعة إلى الوحدات، كلها تحتك.
أعراف الأشرفية لا تكتب في كتب القانون، لكنها أقوى من القانون. "السِكبة" مثلاً، لا تزال حية ترزق. لا يمكن أن تطبخ أم مقلوبة ولا يشم الجيران رائحتها. صحن واحد يلف على 5 بيوت في نفس العمارة، يطلع حاراً ويرجع فاضياً. والدرج هناك ليس مجرد طريق، هو ديوان. تجد الرجال الكبار يجلسون على عتباته في العصر، يحلون مشاكل الحارة كلها بفنجان قهوة.
2. الجوفة والتاج: جبال الكدح.
إذا كانت الأشرفية هي التاريخ، فالجوفة والتاج هما السواعد. هذان الجبلان بُنيت بيوتهما طوبة طوبة بيد أصحابها. هنا سكن العسكري المتقاعد، والعامل في المصنع، واللاجئ الذي جاء من فلسطين في 48 و 67 وبنى غرفة من الزينكو ثم حولها لدار.
حياة هذه الجبال لها ساعة مختلفة. الحياة تبدأ الساعة 6 الصباح، ليس بمنبه هاتف، بل برائحة خبز الطابون يخرج من فرن أبو علي، رائحة تحي الميت. وبعدها بدقائق، يضرب صوت الأذان ليس من مسجد واحد، بل من 10 مساجد مرة واحدة، صوت متداخل يهز الشباك ويقول لك: قوم اشتغل.
وشوارعها؟ شوارعها ضيقة لدرجة أن سيارتين لا يمكن أن تمرا معاً، عرض الشارع متران فقط. ومع ذلك، هذا المتران هو ملعب كرة القدم الأكبر في العالم لأطفال الحارة. يحطون حجرين كمرمى وتبدأ البطولة، وإذا مرت سيارة، تتوقف اللعبة ثانية وتعود.
هذه الجبال قوية، لكنها حساسة جداً. هي لا تفرح كثيراً عندما يبنى مول جديد في غرب عمان، لكنها تحزن حزناً حقيقياً، وتصمت بيوتها، عندما يحزم شاب حقيبته ويهاجر. لأنها تعرف أن كل شاب يغادر، يأخذ معه طوبة من روح الجبل.
















