facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

الصحفي رفاد العياصرة يكتب يقولون إن عمّان بُنيت على سبعة جبال.. مثل روما.

الصحفي رفاد العياصرة يكتب يقولون إن عمّان بُنيت على سبعة جبال.. مثل روما.
بقلم - الصحفي رفاد العياصرة
كل دليل سياحي، كل كتاب مدرسي، كل مذيع نشرة يقول نفس الجملة.

وهي كذبة.. لكنها كذبة جميلة ومقصودة.

نحن من اخترعناها لأننا نريد أن نكون مثل روما. نريد أن نقول للعالم: نحن أيضاً مدينة إمبراطورية، لسنا مجرد وادٍ بين الجبال.

لكن الحقيقة أكبر وأعقد وأجمل من الكذبة.

عمّان لم تُبنى على سبعة جبال. عمّان بُنيت على أكثر من عشرين جبلاً وثلاثة عشر وادٍ. وكل جبل فيها ليس مجرد شارع وبيوت.. كل جبل هو وطن كامل.

وطن له لهجته، وله رائحته، وله تسعيرته، وله عصبيته.

ابن جبل عمّان "الدوار الأول والثاني" يتكلم بلكنةولهجة، وابن جبل اللويبدة يتكلم فن وثقافة، وابن جبل النظيف يتكلم تعب وشقاء، وابن جبل التاج يتكلم بلهجة بالعمل. وكلا منهم يفهم الآخر.. .

والشيء الوحيد الذي يجمع كل هذه الأوطان ، هو أن ينزلوا جميعاً إلى الأسفل.. إلى وسط البلد.

وسط البلد ليس سوقاً. وسط البلد هو القلب الذي يضخ الدم للجميع. هو المكان الوحيد المحايد في حرب الجبال. هناك فقط، يتساوى ابن القلعة مع ابن الأشرفية على عربة فلافل واحدة.

ولهذا، عمّان لا تُفهم إلا إذا فهمت جبالها جبلاً.. جبلاً.
وهذه هي حكايتها.
# الفصل الاول: جبل القلعة - الجد الأكبر

إذا قلت عن جبل القلعة إنه "حيّ من أحياء عمّان" فأنت تهينه.
القلعة ليست حياً. القلعة هي الأب. هي الجد الأكبر الذي وُلدت عمّان كلها من حجره.

قبل أن يكون هناك لا عبدون ولا دابوق ولا حتى وسط البلد.. كان هناك هو.

قبل 3000 سنة، وقفت هنا امرأة عمونية وقالت: هنا سنبني "ربة عمون". هنا نحتمي. وهنا ولدت أول عمّان.

جاء بعدها اليونانيون وسمّوها فيلادلفيا، ثم جاء الرومان وبنوا معبد هرقل الذي ما زالت أعمدته واقفة تتحدى الزمن والزلازل والحروب، ثم جاء الأمويون وبنوا قصرهم فوقه. كل حجر فيه هو طبقة من التاريخ، لو حفرت متراً واحداً ستجد حضارة كاملة تحتك.

القلعة لم يبنها أحد.. هي التي بنت عمّان.

من يسكنه اليوم؟

لن تفهم تركيبته أبداً. هو الجبل الوحيد الذي لم يتغير. خليط عجيب من العشائر البلقاوية والسلطية القديمة التي سكنت هناك قبل أن تُخلق عمّان الحديثة، وجيرانهم الأرمن الذين جاؤوا هاربين من المذبحة قبل أكثر من مئة عام وما زالوا هناك، يخبزون وينجرون ويصلحون الساعات بنفس الدكان منذ 1948.

لماذا هو متكبر؟

اصعد إليه مرة واحدة عند المغرب.. ستعرف.

من فوقه، ترى عمّان كلها تحتك كخريطة مفروشة. ترى جبل عمّان وجبل اللويبدة وجبل الحسين وهم صغار. ترى وسط البلد يلمع، وترى السيارات مثل النمل. ستفهم عندها لماذا ابن القلعة لا ينزل كثيراً.. لأنه ببساطة يرى الجميع صغاراً من فوق.

عرفه السري الذي لا يعرفه أحد:

في جبل القلعة.. لا أحد يبيع بيته.

هذه قاعدة غير مكتوبة. البيت لا يُباع بمبلغ. البيت يُورّث. الأب يورثه للابن مع المفتاح الخشبي الكبير القديم ومع كلمة: "دير بالك على الجيران". لهذا ستجد بيوتاً مغلقة منذ عشرين سنة وأصحابها يرفضون بيعها بمئات الآلاف.

حياته اليومية:

أغرب جبل في عمّان. هو في الوسط تماماً، فوق رأس وسط البلد الصاخب، ومع ذلك هو هادئ هدوءاً مريباً.. هدوء مقبرة ملكية.

لا تسمع فيه لا أبواق سيارات ولا صراخ بائعين. تسمع فقط الهواء وهو يضرب أعمدة هرقل.

هو تماماً كجد عجوز عمره 3000 سنة، جالس على كرسيه الحجري فوق، يتفرج على أحفاده في الأسفل وهم يركضون في وسط البلد، يتزاحمون، يتقاتلون على لقمة العيش.. وهو يبتسم بسخرية هادئة ويقول: "على مهلكم.. في النهاية كلكم سترجعون إليّ".
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير