ندوة في معرض عمان الدولي للكتاب تستذكر الشاعر الراحل حبيب الزيودي
القبة نيوز - عمان- اتحاد الناشرين الأردنيين- عُقدت ضمن فعاليات معرض عمان الدولي للكتاب الذي ينظمه اتحاد الناشرين الأردنيين، يوم أمس الاحد، ندوة استذكارية خُصصت لقراءة التجربة الشعرية والإنسانية للشاعر الأردني الراحل حبيب الزيودي.
وشارك في الندوة التي جاءت بعنوان "القصيدة حين تصبح أغنية وذاكرة"، الوزير الأسبق سالم الخزاعلة، والأديب والشاعر الدكتور حكمت النوايسة، والدكتور محمد واصف، وإدارة الدكتورة ريم المرايات.
الوزير الأسبق سالم الخزاعلة قال إن الإنسان يحضر في شعر حبيب كابن للأرض وذاكرتها وليس كشخصية عابرة، حيث ارتبط شعره بالمكان ارتباطاً عميقاً وجعل من قريته العالوك كائناً حياً يتكلم ويمنح القصيدة دفئها وخصوصيتها لتتحول الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة مشتركة.
وأضاف ان الحزن في شعره لا يأتي لمجرد الشكوى بل يتحول إلى طاقة شعرية تستعيد الإنسان والأرض، مؤكداً أن ديوانه الأخير "غيم على العالوك" يقدم رؤية وجودية هادئة متصالحة مع الحياة والموت؛ فالموت عنده (الشاعر الزيودي) رحلة هادئة وتسليم وديع يتقبله بإصغاء وسكينة، وهو موقف يتسق مع رفضه لرؤية الانتحار عند تيسير سبول.
ولفت الخزاعلة إلى أن السردية الأردنية في شعر الزيودي تقوم على أربعة مستويات متداخلة تتوزع بين المكان الشامل للأرض والقرية والمضافة والقهوة وعمان، والإنسان الذي تتصدره الأم كحافظة للبيت والذاكرة والأب كرمز للهيبة والصمت والاحتمال اليومي لقسوة الحياة والفقراء كمركز أخلاقي للشعر، إلى جانب مستويي الزمن والحب والكرامة والموت.
وأشار إلى أن شعر الراحل الزيودي جمع العمق الجمالي بالأصول الشعبية عبر الصور الحسية كالمطر والقهوة والخيل والخزامى، واستحضر الرموز الوطنية والتاريخية مثل وصفي التل وحابس المجالي وصايل الشهوان وعرار لتوسيع الذاكرة الوطنية وتوثيق أرواح الناس لا الأحداث فقط.
من جانبه، قال الأديب والشاعر الدكتور حكمت النوايسة أنه استشعر ان الموت الفجائي للزيودي سبقته شهور استشعر فيها مرضه الروحي والنفسي من خلال تخليه التدريجي عن أشياء كثيرة، وتساءل "هل مرض حبيب قبل موته؟".
وفيما يخص شعر الراحل الزيودي، قارن النوايسة بين قصيدة حبيب في عمان "يا حنا على حنا"، وقصيدة " اردن ارض العزم " التي كتبها سعيد عقل في عمان التي غنتها فيروز، مؤكداً أن حبيب يكتب بضمير الأنا والجماعة الأردنية، ومن داخل الوجدان بينما تنظر قصيدة سعيد عقل للمكان من منظور الآخر.
وتطرق الشاعر النوايسة إلى فلسفة المديح لدى حبيب مبيناً ان حبيب "أردنيا" ناصعاً يمدح الملك والأردنيين بقلب صافٍ، وكان يكتب المديح أحياناً لأجل أطفاله ليعود إليهم بمتطلبات الحياة مستشهداً ببيته: "وقلبي وعقلي كان متفقاً مع المديح وقلبي غير متفقين".
وأوضح أن ديوان "غيم على العالوك" شهد تجلي ممارسة حبيب لقتل الأب الأدبي، حيث سعى من خلال قصيدته في مئوية عرار إلى التحرر من مقولة إنه مجرد "خليفة عرار" ليعلن استقلاليته الشعرية الخاصة، كما تخلص في الديوان نفسه من الأدعياء الذين زعموا تبنيه وصناعة موهبته بأسلوبه العبثي البدوي المتمرد.
كما تحدث الشاعر النوايسة عن المفارقة في علاقة حبيب بالرموز الأردنية، نافيا عن حبيب أي صفة إقليمية أو عنصرية، ولفت إلى كرمه المادي والمعنوي الناصع مع زملائه والشعراء.
وتناول الدكتور محمد واصف في مشاركته الشخصية السمعية للشاعر الراحل، مؤكداً ان الزيودي لم يكن شاعراً بقدر ما كان مغنياً بالفطرة، وأن قصائده هي بالأساس بنات أغانيه التي غناها في طفولته بربوات العلوك وفي الجامعة والإذاعة والتلفزيون.
ووصف طريقة كتابة الزيودي بأنه كان يرفع أصابعه ويهندس الكلمات إيقاعياً وتلقائياً دون الحاجة للعودة لقواعد العروض التقليدية فتأتي كلماته موزونة ومضبوطة بالفطرة معتمدة لغة سهلة على اللسان ونافذة ترتفع إلى مرتبة الرمزية العالية.
ورد واصف على الادعاءات التي زعمت ميل حبيب للعامية لضعف في الفصحى، موضحاً أن الشاعر بيّن له أن تفاصيل الحياة الأردنية الريفية والبدوية تستلزم استخدام المفردة الشعبية مثل الزعتر والحناء والشيح وغيرها لتستقر في الذاكرة الجمعية، مع الإشارة إلى تمكنه في نظم الفصيح في قصائد شاهقة كقصيدة مئوية عرار.
وأوضح الدكتور واصف وجود لحن خفي داخل نص حبيب يدركه الملحن بالفطرة وتملك عبارته قدرة نادرة على التحول إلى لازمة موسيقية يرددها المتلقي، وبين العناصر الموسيقية الثلاثة في إيقاع حبيب والمتمثلة في حسّه الفطري بزمن النغمة الواحدة والوقوف عليها، والمرونة العالية في سرعة المقطوعة وقابليتها للغناء بسياقات مختلفة، إضافة إلى النبر الموسيقي الذي يدركه الشاعر منذ الكلمة الأولى ليحدد المقياس الإيقاعي كرباعي أو ثلاثي أو ثنائي ويمنح الأغنية طابعها الجمعي.
وعبر الدكتور واصف عن أسفه لضعف الاهتمام المؤسسي برمز من معالم السردية الوطنية كحبيب الزيودي.
وكانت الدكتورة ريم المرايات التي أدارت الندوة قد أشارت إلى انها تأتي للاحتفاء بذكرى شاعر ملأ البلاد حباً وشكّل حالة ثقافية أردنية استقرت في الوجدان الجمعي عبر الأغنية والقصيدة.
واستعادت الدكتورة المرايات ذكريات دراستها مع الراحل في الجامعة الأردنية خلال مرحلة الثمانينيات، مشيرة إلى أنها شهدت ولادة موهبته الشعرية الفذة التي صدحت بها مدرجات الجامعة ومساءاتها حين كان فتى الجامعة وشاعرها المفيض بالوفاء والصدق والتعبير عن قضايا جيله ومجتمعه.
وأوضحت أن قصائد الزيودي المغناة تجسد القيم الأردنية الأصيلة وشجاعة الشخصية الوطنية.
وفي نهاية الندوة، كرم رئيس اللجنة الثقافية لمعرض عمان الدولي للكتاب الذي ينظمه اتحاد الناشرين الأردنيين، جعفر العقيلي، ونقيب الفنانين الدكتور هاني الجراح، المشاركين في الندوة.















