العبادي يكتب : اتركوا الملك يعمل واعملوا أنتم
بقلم: أ.د. عبد الرحمن العرمان العبادي
أستاذ القانون الإداري في جامعة جرش، ونائب رئيس مجلس قبيلة عباد
تبدو ظاهرة انشغال الأردنيين بتحليل خطابات جلالة الملك واضحة؛ فهذا يشرح، وذاك يفسر، وثالث يفكك الكلمات، ورابع يبحث بين السطور، حتى تحولت بعض المؤسسات إلى غرف للتحليل وإصدار البيانات التي تتضمن عبارات التأييد والترحيب والتثمين والتأكيد.
لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا بعد؟
الملك يعمل، ومنذ سنوات، حين يتحدث في المحافل الدولية، لا يحتاج إلى من يشرح للعالم ما قاله. فخطابه يصل، وموقفه يُقرأ، ورسائله تُفهم، لأن الأردن حين يتحدث يعرف العالم أن وراء كلماته دولة وموقفاً وتاريخاً.
لذلك، اتركوا الملك يعمل، واعملوا أنتم.
إذا أردنا تحليلاً واقعياً وصادقاً، فليجلس كل واحد منا مع نفسه بعيداً عن البيانات والمجاملات، وليطرح سؤالاً بسيطاً: هل أنا راضٍ عن أدائي في موقعي؟
لقد قال جلالة الملك في وقت سابق: «كل أردني جندي في موقعه». وهذا يعني أن على كل واحد منا أن يؤدي دوره بأمانة ومسؤولية.
إن كنت صحفياً، فكن صحفياً حقيقياً، لا صدى لبيان. وإن كنت مسؤولاً، فكن رجل دولة، لا مجرد صاحب منصب. وإن كنت موظفاً، فأدِّ عملك كما لو أن الأردن يقف خلف مكتبك ويراقب أداءك.
واسأل نفسك دائماً:
ماذا أضفت؟
ماذا أصلحت؟
ماذا منعت؟
ماذا أنجزت؟
وما الأثر الذي تركته بعد انتهاء ساعات الدوام؟
فالجندي الواقف على الحدود يحمي الوطن، وصاحب القلم يستطيع حماية الوعي، والشيخ كلمته أمانة، والمعلم يؤدي رسالة، والعامل المتقن يشارك في بناء الدولة، والأم التي ترفع يديها بالدعاء تسهم في حماية هذا البلد بما تحمله من حب وانتماء.
أما أن يتحول البعض إلى جوقة تصفق للخطاب بعد انتهائه، فذلك ليس المطلوب. لا نحتاج إلى شخصيات تكتفي بالتأييد وإصدار البيانات، بينما يبحث المواطن عن أثر الدولة في حياته، وعن المسؤول الذي يعمل، والمؤسسة التي تنجز، والاجتماع الذي ينتهي بقرار.
التحليل الحقيقي لا يتمثل في إعادة شرح خطاب الملك، ولا في تدوير الجمل نفسها حتى يتحول الخطاب إلى موسم إعلامي ينتهي بانتهاء التصفيق. التحليل الحقيقي هو أن يسأل كل منا نفسه: ماذا فعلت من أجل وطني؟
هناك رجال دولة لا يبحثون عن التصفيق، ولا يكتبون ليقولوا للناس إنهم كتبوا. إنهم يعملون على الأرض، ويحملون هموم الناس، ويبادرون، ويجتمعون، ويختلفون، ويقررون، ثم ينفذون. فالأردن بالنسبة إليهم ليس عنواناً في بيان، ولا جملة محفوظة في خطاب، بل مسؤولية وأمانة.
يبقى الأردني عزيزاً بصحافته الشريفة، وبالمسؤول الذي يخاف الله في موقعه، وبالجندي المرابط على الحدود، وبالقلم الذي لا يُشترى، وبالشيخ الذي يقول كلمة حق، وبالمعلم الذي يؤدي رسالته، وبالعامل الذي يتقن عمله، وبالأم التي تدعو أن يبقى الوطن آمناً.
هكذا تُبنى الدول؛ لا بكثرة البيانات، ولا بكثرة التحليلات، ولا بتكرار عبارات التأييد، بل بالعمل والإنجاز وتحمل المسؤولية.
ومن كان في موقعه ويشعر بأنه أدى الأمانة، فليواصل. ومن يعرف في قرارة نفسه أنه قصّر، فليُصلح. ومن لا يستطيع العمل، فليترك المجال لمن يستطيع.
فالأردن أكبر من مؤسسة، وأكبر من منصب، وأكبر من بيان.
لذلك، لا تحولوا خطاب الملك إلى موسم بيانات، ولا تجعلوا التأييد بديلاً عن الإنجاز. انزلوا إلى مواقعكم، وأنجزوا، وأصلحوا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا غيركم.
اتركوا الملك يعمل، واعملوا أنتم. كونوا جنوداً في مواقعكم، فالأردن يحتاج إلى الفعل أكثر من التصفيق، وإلى الإنجاز أكثر من الكلام.
مولاي جلالة الملك، نحن معك وبك ماضون، وسر وعين الله ترعاك.
ومن بلدة عيرا، التي ترنو إلى مآذن القدس، ومن أرض المدفعية السادسة التي لقنت العدو درساً قاسياً، ندعو الله أن يحفظكم، ويسدد على طريق الخير خطاكم، وأن يبقى الأردن آمناً مطمئناً، ويرزق أهله من الثمرات.















