facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

المفتي الدكتور خالد البراج يكتب.. قراءة في خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك

المفتي الدكتور خالد البراج يكتب.. قراءة في خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك
بقلم المفتي الدكتور: خالد البراج

 من خلال قراءة جادة ومتأنية لخطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم نرى وندرك بالغ اهتمامات جلالته في الدفاع عن قضايا الوطن والأمة وفي مقدمتها القضية الجوهرية والمحورية وهي القضية الفلسطينية ليخرجها من أطارها الفلسطيني الضياق ليجعلها قضية إقليمية ودولية تطرق أسماع العالم أجمع، وهذا ليس بجديد على ملك يحمل أمانة الوصاية الهاشمية على القدس، والمسجد الأقصى والمقدسات؛ لأنه يحمل الهم العربي والإنساني، ولأن القادة العظام كلما عظمت مكانتهم الوطنية والإقليمية والدولية والإنسانية تعظم وتكبر اهتماماتهم وهكذا كان الهاشميون عبر التاريخ، حيث استهل جلالته خطابه بان المنطقة كلها مشتعلة، يقول جلالته: " نحن نشهد تبعات هذا الإهمال كل يوم؛ ففي منطقتي، من لبنان إلى اليمن، مرورا بالسودان، تؤدي النزاعات الممتدة إلى تفاقم المعاناة الإنسانية".

وأشار جلالته إلى انعكاسات السياسات العالمية وفي مقدمتها الغطرسة الإسرائيلية، حيث قال جلالته: "وإذا كان لدى أي شخص أدنى شك في أن الأزمة في منطقتنا تظل محصورة فيها، فما عليه سوى النظر إلى فواتير الطاقة والمواد الغذائية للأسر العادية في مختلف بقاع العالم: من مومباي إلى مدريد إلى مينيسوتا. أظهرت حرب إيران مدى سرعة تأثير انعدام الاستقرار على تعطيل حركة التجارة والاستثمار وحياة الناس، خارج حدود المنطقة".

  ثم بين جلالته بكل وضوح مدى اهتمامه بغزة والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهي من أولويات اهتمامات جلالته، حيث قال جلالته: " ولا ننسى غزة. على مدى عقود، لطالما وقفت أمام هذه الجمعية العامة وحذرت من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل، لكن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع، بدلا من التصدي لحله". ثم اسهب جلالته بالحديث عن غزة والضفة الغربية والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني على أرضه من جراء السياسات الإسرائيلية المجحفة والمتغطرسة من خلال: الانتهاكات الإسرائيلية والظلم، تجاهل القانون الدولي، وضرب جلالته مثال حيا لمثل هذه الانتهاكات فقال: "في غزة، إن الأدلة دامغة: ففي أول 300 يوم مما سمي بوقف إطلاق النار، استشهد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني.

 وتم استهداف المستشفيات الميدانية الأردنية هناك" وبين جلالته بأن الهدف من هذه السياسة الإسرائيلية الظالمة هي: محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة، تحول جذري للوضع في الضفة الغربية، وما يتعرض له الفلسطينيون من الضرب وإطلاق النار والترهيب، و حرق منازلهم وتدمير ممتلكاتهم، وتهجير عائلات من أراضيها، وهدم المنازل بغرض توسيع المستوطنات غير القانونية وهو ترحيل قسري، والاستيلاء على الأراضي المحتلة، ومنظومة نقاط التفتيش والحواجز الخانقة، والهجمات الممنهجة على التجمعات السكانية الفلسطينية، حماية المعتدين أو ينضمون إليهم.

 كما يمنعون سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى، ويستهدفون صحفيين دوليين كانوا يحاولون نقل الحقيقة. وسياسة واحدة تهدف إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه، وهو ما يسمى بالتهجير القسري، وهو جريمة حرب.

 هذه الأهداف الشيطانية التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتحقيقها بهذه الغطرسة المتعفنة والأساليب الملتوية الظالمة، التي ذكرها جلالة الملك بدقة متناهية، ليعلم العالم كله حجم أطماع الاحتلال الإسرائيلي، وأساليبهم الهمجية القذرة، ليدرك العالم مساحة المعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وليقوم المجتمع الدولي بواجباته والتزاماته القانونية والأخلاقية والإنسانية ليرفع الظلم عن الفلسطينيين، ويقف في وجه الاحتلال الإسرائيلي . 

ثم ذكر جلالته بكل شفافية جادة بأن طريق حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلا عدة تدابير وإجراءات واعتقادات صحيحة بعيدا عن الوهم، فقال جلالته: "حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، يجب على العالم أن يتخلى عن بعض الأوهام، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن غزة والضفة الغربية قصتان منفصلتان. والهدف واحد: جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمرا مستحيلا.وهناك وهم آخر يتمثل بالاعتقاد بأن رفض القيادة الإسرائيلية للدولة الفلسطينية هو موقف قابل للتغيير. لن يتغير، بل يجري تكريسه على الأرض".

ثم تحدث جلالته عن الوهم الأكبر والأخطر، فقال جلالته: "لكن الوهم الأخطر هو الاعتقاد بأن الدول العربية لم تسعَ يوما للسلام. فمبادرة السلام العربية، في عام 2002، عرضت على إسرائيل تطبيع العلاقات مع 57 دولة عربية ومسلمة، شملت إيران والعراق في حينها، مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية".

 كما بين جلالته كيف حول الاحتلال الإسرائيلي رؤية الصراع فال: "كما سعت إلى تصوير الصراع على أنه حرب أديان، الإسلام في جهة، واليهودية والمسيحية في الجهة المقابلة. لكنه ليس صراع أديان. إنه صراع حول ما إذا كان الفلسطينيون – مسلمون ومسيحيون – يستحقون الحقوق ذاتها التي يتمتع بها الآخرون".

 وقد طرق جلالته إلى سبب وصول الوضع لهذ الحد المتهالك، وبين تقاعس العالم عن القيام بمسؤولياته، فقال جلالته: "لأن التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجا عن قلة في الخيارات.

 دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: هذا التقاعس هو خيار". وقد تحدث جلالته عن الخيارات لكبح جماح هذه السياسات المتعجرفة، فقال جلالته: "نمتلك الأدوات: كالعقوبات، وتجميد الأصول، وفرض الحظر، والعزل الدبلوماسي" . 

وتحدث جلالته عن حقيقة واقعية يغمض العالم عينيه عنها عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي، فقال جلالته: " لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تبقى القرارات حيث بدأت: حبرا على ورق. والنتيجة هي دولة بلا رادع" . 

وقد نبه جلالته العالم أجمع إلى أطماع الاحتلال في المنطقة ليكون العالم على حذر من هذه السياسة التوسعية، مما يعقد المشهد الإقليمي، ويدفع إلى مزيد من الحروب وإراقة الدماء وإزهاق النفوس، فقال جلالته: " الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديدا إقليميا.

 واليوم، تمثل سوريا إنذارا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباها. فهناك توغلات متكررة، وتوسع جغرافي يتمدد، وحقائق جديدة يتم فرضها على الأرض، منها ما يمس مصادر مائية حيوية" .

 ثم تحدث جلالته عن الأردن، وعن التهديدات التي قد يتعرض لها سواء على أرضه أو مائه، ومصالح شعبنا وسيكون موقفنا حاسما بأننا سنحميه بكل قوة واقتدار، وهي رسالة تحذيرية مغلفة بالجدية بعيدا عن التلكؤ في الحديث أو الدفاع عن مقدرات الوطن، فقال جلالته: "أما بالنسبة للأردن، فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا" .

 وقد بين جلالته موقف الأردن بأشقائه، وتعزيز جسور التواصل والتفاهم والعمل المشترك لوحدة المصير، فقال جلالته: "نحن نعزز الروابط من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال دورنا كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، بينما نتصدى للأزمات الإنسانية الطارئة" .   

 ثم بين دور الأردن وموقفه من الإرهاب الداخلي والخارجي والذي من آثاره الخارجية تهريب المخدرات السم اقاتل والأفة المحرمة، فقال جلالته: "نحن نتصدى للإرهاب في المنطقة وخارجها، بينما نطور قدراتنا الدفاعية لنبقى جبهة في مواجهة تهديدات كتهريب المخدرات" . 

وأشار جلالته بأن الديانة المسيحية جزء من النسيج الوطني والمكون الحقيقي للأردن، وهي إشارة حقيقية إلى التعايش السلمي الفريد الذي يعيشه أبناء الشعب الأردني الواحد، والذي يضرب فيه المثل، فقال جلالته: "نحن نحمي المسيحية – مجتمعاتها وإرثها – في موطنها الأصلي والتاريخي، بينما ندافع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية" .

وأكد على العديد من الثوابت الوطنية، ومنه دعم الصمود الشعب الفلسطيني، ومن أشكال هذا الدعم دعم الأونروا، فقال جلالته: "وخلال ذلك كله، لن نتخلى عن التزامنا بالسلام العادل. 

سنستمر في دعم الصمود الفلسطيني. وسنستمر في دعم الأونروا" . 

ومن هذه الثوابت الوطنية الوصاية الهاشمية، هذا الإرث العربي الهاشمي، فقال جلالته: "وسنستمر في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس" . 

وبين جلالته الرؤية التي يسعى الأردن لتحقيقا من الأردن الأنموذج، والانفتاح والثبات مستندا إلى القيم والمبادئ والدين والأعراف، والحوار والعمل المشترك من أجل السلام، فقال جلالته: "يسعى الأردن لبناء نموذج مختلف.. نموذج يستند إلى القيم والمبادئ، ويتسم بالانفتاح والثبات، في زمن يندر فيه اليقين وتتبدل فيه الحسابات السياسية من يوم إلى آخر".

 وقال جلالته: "الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه: وفيّ لمبادئه، ملتزم بمواقفه، مستعد للحوار مع الجميع، ومستعد للعمل مع كل من يسعى للسلام" .  

 وفي ختام خطابه بين جلالته الحقيقة التي لابد أن يعلمها الجميع، فقال: "ولا يمكن للقوة العسكرية أن تقدم حلولا فاعلة. لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام. كما لا يمكنها إصلاح كوكبنا، أو إدارة موجات الهجرة، أو قيادة التطور التكنولوجي".

 وأضاف جلالته قائلا: " كيف تتحقق هذ الرؤى من خلال المؤسسات الشرعية، وبناء الثقة من خلال النظرة الواعية الحصيفة لمستقبل أفضل، فقال جلالته: " كل ذلك يتطلب مؤسسات لديها الشرعية، ويتطلب وجود الثقة.. الثقة بين الدول، والثقة في الاتفاقيات، والثقة بأن القوانين ستطبق فعليا" .

 وختم جلالته خطابه بقوله: "علينا أن نعي أين نوجهه، وأن نتيقظ ممن يحاول تشتيته، فالمستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضا".

تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير