facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

اللواء الحباشنة يكتب.. خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة.. عندما ترسم الدبلوماسية حدود الأمن القومي الأردني

اللواء الحباشنة يكتب.. خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة.. عندما ترسم الدبلوماسية حدود الأمن القومي الأردني
بقلم: اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنه_ ماجستير إدارة استراتيجية

*من فلسطين وسوريا إلى المياه والحدود.. خطاب يرفع سقف الرسالة الأردنية ويضع الأمن القومي خارج حسابات الأمر الواقع*

«*أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي*»

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً آخر يضاف إلى خطابات القادة حول غزة وفلسطين؛ فقد حمل منذ بدايته فكرة مختلفة تستحق التوقف عندها. 

جلالته بدأ من مفهوم الانتباه باعتباره مورداً جيوسياسياً نادراً، في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتنافس على اهتمام المجتمع الدولي، وما يختار العالم أن يراه أو يتجاهله يمكن أن يحدد مسار الأحداث. 

ومن هنا انتقل الخطاب إلى فلسطين، لا باعتبارها أزمة إنسانية مؤقتة، وإنما باعتبارها اختباراً لقدرة النظام الدولي على حماية القانون والعدالة ومنع تحويل الوقائع التي تفرضها القوة إلى حقائق دائمة.

 ولهذا جاء التأكيد على أن غزة والضفة الغربية ليستا ملفين منفصلين، وأن استمرار التهجير والضم والاستيطان يقوض مباشرة إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

 الرسالة هنا واضحة: *المشكلة لم تعد فقط في استمرار الحرب، وإنما في السماح بأن تصبح نتائجها واقعاً سياسياً جديداً*.

لكن النقلة الأكثر أهمية في الخطاب جاءت عندما تجاوز جلالة الملك حدود القضية الفلسطينية إلى *سوريا والأمن الأردني*. 

فالحديث عن التوغلات الإسرائيلية المتكررة، والتوسع الجغرافي، وفرض حقائق جديدة على الأرض، ومنها ما يمس مصادر مائية حيوية، قاد مباشرة إلى العبارة الأكثر وضوحاً في الخطاب: «*أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي*».

 هنا تتغير طبيعة الرسالة؛ فالأردن لا يتحدث فقط عن موقف سياسي من التطورات في جنوب سوريا، وإنما يحدد صراحة أن هناك نقطة تنتقل عندها القضية من نطاق السياسة الإقليمية إلى نطاق *الأمن الوطني المباشر*.

 والأهم أن جلالته أكد أن الأردن «لن يشيح بنظره»، وأنه سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه. وهذه ليست لغة مواجهة، لكنها بالتأكيد لغة تحديد للحدود؛ فالدبلوماسية الأردنية، مهما تمسكت بالحوار، لا تعني أن المصالح الوطنية مفتوحة أمام فرض الأمر الواقع.أما الرسالة الثالثة، والأكثر عمقاً، فهي أن الخطاب *وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز إصدار البيانات والقرارات*. 

فجلالته طرح سؤالاً جوهرياً حول قيمة القانون الدولي إذا أمكن تجاهله لعقود، وحول جدوى امتلاك الدول أدوات ضغط حقيقية إذا لم تستخدمها عندما تستدعي الظروف ذلك. 

وهذا يعني أن الأردن لا يكتفي بتسجيل موقف سياسي من الحرب أو الاحتلال، بل يطالب بإعادة الاعتبار إلى فكرة أساسية: أن القانون الدولي يجب أن تكون له نتائج سياسية عندما يتم خرقه، وأن حماية المدنيين ورفض التهجير لا يمكن أن تبقى مجرد مبادئ معلنة.

 وفي هذا السياق، فإن التذكير بمبادرة السلام العربية يكتسب أهمية خاصة؛ فالمشكلة، وفق الرسالة الأردنية، ليست غياب الخيارات السياسية، وإنما العجز عن تحويل الخيارات الموجودة إلى مسار عملي. 

ولذلك كان مهماً أن يؤكد الملك أن التمسك بالدبلوماسية لا ينبغي تفسيره على أنه ضعف، لأن *الدبلوماسية التي لا تحمي المصالح والحقوق تتحول إلى إدارة للأزمة، لا إلى طريق لحلها*.

واللافت أن الخطاب لم يتعامل مع التحديات الأردنية باعتبارها ملفات منفصلة؛ فالحدود والمياه والأمن والاستقرار الإقليمي ترتبط في النهاية بمعادلة واحدة.

 وهذا يفرض أن يُنظر إلى الأمن المائي، بصورة خاصة، باعتباره *ملفاً سيادياً واستراتيجياً طويل الأمد*، لا مجرد قضية خدمات أو مشاريع وبنى تحتية.

 كما أن التطورات في جنوب سوريا لا يمكن قراءتها بمعزل عن انعكاساتها المحتملة على الحدود والمصالح الأردنية. 

ومن هنا فإن دلالة الخطاب تتجاوز التحذير من خطر آني إلى التأكيد على ضرورة بناء قدرة الدولة على الصمود أمام نتائج الأزمات المتراكمة، أمنياً واقتصادياً ومائياً وسياسياً.

 فالمطلوب ليس فقط التعامل مع الأزمة عندما تقع، وإنما الاستعداد لما قد تتركه من وقائع جديدة على المدى البعيد.ومن هذه الزاوية يمكن فهم الخطاب باعتباره محاولة لرسم *خريطة مصالح أردنية أكثر وضوحاً في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد*.

 فلسطين بالنسبة للأردن ليست قضية بعيدة عن أمنه، وسوريا ليست ساحة منفصلة عن حدوده، والمياه ليست شأناً فنياً، والقانون الدولي ليس مجرد مرجعية أخلاقية، والدبلوماسية ليست بديلاً عن حماية المصالح الوطنية. لكن الأهم أن مفهوم «الانتباه» الذي بدأ به جلالة الملك يعود هنا بصورة مختلفة: ما يتجاهله المجتمع الدولي اليوم قد يتحول غداً إلى واقع سياسي وأمني يصعب تغييره. 

ولذلك فإن الرسالة الأردنية لا تبدو محاولة للابتعاد عن النهج الدبلوماسي، بل استخداماً أكثر وضوحاً له في مواجهة سياسة الأمر الواقع. 

فالاعتدال لا يعني الصمت، والحوار لا يعني القبول، والسلام لا يعني أن يدفع طرف واحد ثمنه.في النهاية، لم يكن خطاب نيويورك مجرد توصيف لأزمة إقليمية، بل إعلاناً واضحاً عن حدود ما يمكن للأردن أن يقبله عندما تقترب التطورات من أمنه ومصالحه. 

وقد وضع جلالته المجتمع الدولي أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها: إما الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، أو ترك المنطقة أمام وقائع جديدة يصعب التراجع عنها. 

*أما الأردن، فقد قال كلمته بوضوح: السلام خيار استراتيجي، لكن حماية الوطن ليست موضع تفاوض*.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير