facebook twitter Youtube whatsapp Instagram nabd

بين حرية المدين وضمان حق الدائن: هل يُفضي إلغاء الحبس إلى إهدار الحقوق؟

بين حرية المدين وضمان حق الدائن: هل يُفضي إلغاء الحبس إلى إهدار الحقوق؟
القبة نيوز- بعد مرور قرابة العام على بدء سريان المادة (22) من قانون التنفيذ المعدّل لعام 2022، تصاعدت الانتقادات حول مدى قدرة التعديلات على تحقيق توازن فعلي بين الاعتبارات الحقوقية والواقع الاقتصادي، في ظل تزايد شكاوى الدائنين من صعوبة تحصيل حقوقهم، مقابل تراجع الاعتماد على حبس المدين، كوسيلة ضغط لإلزامه بتنفيذ التزاماته المالية.

فالتعديلات التي دخلت حيّز التنفيذ في الـ25 حزيران (يونيو) العام الماضي جاءت أساسا استجابة لاعتبارات إنسانية وحقوقية، تنسجم مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي ترفض تقييد حرية الإنسان بسبب العجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي، وتحديدا المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وذلك عبر الحد من اللجوء إلى حبس المدين واستبداله بأدوات تنفيذ مدنية بديلة، مثل الحجز والمنع من السفر والتسويات المالية.


لكن التطبيق العملي في الأشهر الماضية، كشف- وفق نواب وقانونيين- عن تحديات واسعة تتعلق بمدى فعالية هذه البدائل، وانعكاساتها على الثقة بالمعاملات التجارية والائتمانية.

وبرغم أن التعديلات، أسهمت بخفض أعداد قضايا حبس المدينين، وتخفيف الضغط على مراكز الإصلاح والتأهيل، فإن ذلك ترافق مع مؤشرات متزايدة على تنامي حالات التخلّف عن السداد، وتراكم القضايا المعلّقة أمام المحاكم دون تنفيذ فعلي، ما دفع نوابا وقانونيين للتحذير من انعكاسات سلبية على الحركة التجارية والبيع الآجل، والثقة بين المتعاملين في السوق.

وفي هذا السياق، أظهرت نتائج استطلاع حديث أجراه منتدى الإستراتيجيات الأردني، أن شريحة واسعة من المتعاملين باتت ترى بأن التعديلات أضعفت أدوات تحصيل الحقوق، ودفعت كثيرا من التجار وأصحاب الأعمال لتشديد شروط الائتمان، أو الحد من التعاملات الآجلة، خوفا من عدم استرداد أموالهم.

كما أظهرت نتائج الاستطلاع، تراجعا في الثقة بالأوراق التجارية والعلاقات التعاقدية، في وقت اعتبر فيه مستجيبون أن مدينين باتوا يستفيدون من الاستثناءات القانونية المتعلقة بعدم الحبس، للتوقف عن السداد أو التهرّب من الالتزامات المالية.

وفي ظل هذا الواقع، تتجه المطالبات حاليا إلى إعادة تقييم قانون التنفيذ والبحث عن بدائل أكثر فاعلية تضمن حقوق الدائنين، ليس بالضرورة عبر العودة للتوسع في الحبس، وإنما عبر تطوير منظومة متكاملة من الأدوات المدنية والتنفيذية، مثل إنشاء منصات ائتمانية، وتوسيع الربط الإلكتروني بين الجهات القضائية والمالية، وتفعيل الحجز على الأموال والحسابات البنكية، وفرض قيود مدنية على المماطلين في السداد، بما يحقق التوازن بين حماية الكرامة الإنسانية والحفاظ على الثقة التعاقدية واستقرار النشاط الاقتصادي.

وكانت التعديلات التي أُدخلت على قانون التنفيذ، تضمنت تغييرات جوهرية في آلية التعامل مع الديون المدنية والتجارية، وأبرزها إلغاء عقوبة الحبس في جميع القضايا المالية الناتجة عن العقود المدنية والتجارية، بغض النظر عن قيمة الدين، ما يعني أن المدين لن يُسجن حتى وإن بلغت قيمة ديونه آلاف الدنانير، باستثناء حالتين فقط، هما الديون الناشئة عن عقود الإيجار، والديون الناتجة عن عقود العمل.

وفي ظل هذه التعديلات، أصبحت أدوات كالحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة، والمنع من السفر، وسائل أساسية تستخدم لتحصيل الحقوق المالية، وذلك ضمن إجراءات قضائية محددة. وحتى في الحالات التي يُسمح فيها بحبس المدين، فقد حدّد القانون مدة الحبس بـ60 يوما سنويا عن كل دين، وبحد أقصى لا يتجاوز الـ90 يوما في السنة مهما تعددت الديون، في خطوة عكست تحولا جوهريا في الفلسفة العقابية المتعلقة بالمديونية المدنية.
وكان القانون قد منح فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات لتسوية الأوضاع المالية، بعد نشره في الجريدة الرسمية في منتصف العام 2022، على أن يبدأ سريان المادة المتعلقة بوقف حبس المدين في الـ25 حزيران (يونيو) العام الماض.
ونص قانون التنفيذ المعدّل في مادته (22)، على أنه "يحق للدائن حبس مدينه إذا لم يسدد الدين، أو لم يعرض تسوية تتناسب مع قدرته المالية خلال مدة الإخطار، شريطة ألا تقل الدفعة الأولى من التسوية عن 15 % من قيمة المبلغ المحكوم به". كما نصت على ألا تتجاوز مدة الحبس 60 يوما في السنة عن دين واحد، و120 يوما في حال تعدد الديون.

وتضمنت المادة (23) من القانون، حالات لا يجوز فيها حبس المدين، ومن بينها موظفو الدولة، ومن لا يكون مسؤولا بشخصه عن الدين، والقاصر، والمفلس، والمجنون، والمرأة الحامل، حتى مرور ثلاثة أشهر بعد الولادة، وأم الطفل حتى يبلغ العامين من عمره.
ووفقا للقانون، فإن طلب حبس المدين، يتطلب إثبات مقدرته على السداد، كما يتوجب على الدائن إخطار المدين لتسديد الدين أو تقديم تسوية مالية، تتناسب مع وضعه المالي، شريطة ألا تقل الدفعة الأولى عن 15 % من قيمة المبلغ المحكوم به. وفي حال عدم السداد أو عدم تقديم تسوية مناسبة خلال فترة الإخطار، يحق للدائن طلب الحبس ضمن الحالات التي يجيزها القانون.


كما لا يُحبس المدين إذا كان المبلغ المحكوم به أقل من 5 آلاف دينار، أو إذا كان المدين مفلسا أو معسرا، أو محجورا عليه للسفه أو الغفلة، أو إذا كان الدين موثقا بتأمين عيني. كذلك يمتنع الحبس إذا ترتب عليه ضرر اجتماعي بأفراد الأسرة، كعدم جواز حبس الزوجين معا، أو إذا كان أحدهما متوفيا ولديهما طفل يقل عمره عن 15 عاما أو من ذوي الإعاقة، إضافة إلى حالات المرض، أو إذا كان الدين بين الأزواج أو الأصول أو الفروع أو الإخوة، ما لم يكن متعلقا بالنفقة.

آثار سلبية
على الاقتصاد والتجارة
نائب رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب محمد زكي بني ملحم، أكد ضرورة إعادة النظر في عدة مواد من قانون التنفيذ المعدّل، مشيرا إلى أن التطبيق العملي الفترة الماضية، أظهر آثارا سلبية واضحة على الجانبين الاقتصادي والتجاري.

وأوضح بني ملحم، أن واقع المحاكم الحالي، يعكس وجود أعداد كبيرة من القضايا التي بقيت دون تنفيذ فعلي، بخاصة في ظل عدم قدرة عدد من المحكومين على السداد، ما أدى لبقاء هذه الملفات "على الرفوف" دون حسم، وأضعف من فعالية إجراءات التنفيذ.



واعتبر أن القانون لم يُدرس بالشكل الكافي قبل إقراره، لافتا إلى أن الرهان كان قائما على الوازع الديني والأخلاقي لدفع المدينين إلى الالتزام بالسداد بعد الحد من حبس المدين، لكن هذا الرهان لم يتحقق كما كان متوقعا، مؤكدا أن القانون لم يؤدِّ إلى النتائج المرجوة منه، بل أفرز نتائج سلبية لم تكن بالحسبان، تمثلت بتراجع التزام كثير من المدينين بالسداد.
وأضاف بني ملحم، أن انعكاسات القانون لم تتوقف عند العلاقة بين الدائن والمدين، وإنما امتدت إلى الحركة التجارية على نحو واضح، مبينا أن جزءا كبيرا من عمليات البيع والشراء في السوق الأردني كان يعتمد على نظام البيع الآجل، إلا أن حالة الثقة بين التجار تراجعت بصورة ملحوظة بعد التعديلات، نتيجة شعور كثير من الدائنين بعدم قدرتهم على تحصيل حقوقهم.
وأشار بني ملحم، إلى أن غياب أدوات تنفيذ فعالة أجبر كثيرا من التجار وأصحاب الأعمال على الحد من التعاملات الآجلة أو التشدد في منح التسهيلات، خوفا من عدم استرداد أموالهم، الأمر الذي انعكس على النشاط التجاري وحركة السوق بشكل عام.
وشدد على ضرورة إيجاد آليات أكثر فاعلية تضمن حماية حقوق الدائنين، وتمكّنهم من تحصيل مستحقاتهم ضمن إطار قانوني متوازن، مقترحا التوسع في تطبيق ما يُعرف بـ"الإعدام المدني"، أو اعتماد عقوبات وقيود مدنية بديلة بحق المتخلّف عن السداد، بما يحقق الردع، ويحافظ في الوقت ذاته على عدم التوسع في الحبس كوسيلة لمعالجة الديون المدنية.

الحد من حبس المدين
من جهته، قال نقيب المحامين الأسبق مازن إرشيدات، إنّ الهدف الذي قام عليه التوجه نحو الحد من حبس المدين، لم يتحقق عمليا على أرض الواقع، معتبرا بأن التأثيرات السلبية الناتجة عن تطبيق القانون كانت أكبر من النتائج الإيجابية التي كان يُعوّل عليها، بخاصة في ظل ازدياد حالات التخلّف عن سداد الديون.

وأوضح إرشيدات أن المشكلة الأساسية، تكمن في غياب أدوات قانونية فعّالة تُجبر المدين على السداد، خصوصا في الحالات التي لا تكون فيها الأصول أو الممتلكات مسجلة باسمه، وإنما بأسماء أبنائه أو أقاربه، ما يجعل إجراءات التنفيذ محدودة الأثر، ويضعف من قدرة الدائن على تحصيل حقه.
تابعوا القبة نيوز على
 
جميع الحقوق محفوظة للقبة نيوز © 2023
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( القبة نيوز )
 
تصميم و تطوير