بين حاجة المعرفة و"كلفة المتابعة".. كيف تصنع الأخبار العاجلة توترا مزمنا؟
القبة نيوز- بالبنط العريض وباللون الأحمر، تظهر كلمة "عاجل" في مختلف المحطات الإخبارية، وبالتزامن مع صوت إشعار الهاتف، الذي يستفز مشاعر التوتر في النفس، خصوصا في ظل ظروف إقليمية متقلبة، يعيش فيها الإنسان بالعديد من الدول على وقع هذه الكلمة.
ورغم الشعور ببعض من "الهدوء النسبي"، بعد أيام من التوتر الحاد في الأحداث، إلا أن تتابع الأخبار وتقلبها بشكل كبير وتأثيرها الاقتصادي والأمني والاجتماعي، والنفسي في الوقت ذاته على المواطن، ساهم في بقاء الجميع بانتظار كم الأخبار الهائلة المتدفقة، والتي تختلف في حدتها من ساعة إلى أخرى.
هذا الأمر يؤدي إلى انتشار الخوف بدرجات مختلفة في المجتمعات، إذ إن تداول "العواجل" بين الأفراد، سواء وجها لوجه، أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والجروبات العائلية أو الأصدقاء، ساهم فيما يعرف بـ"عدوى الخوف"، والتي لها العديد من الآثار النفسية على الإنسان، خاصة لدى فئة سريعة الخوف والتوتر، وقد تصل إلى نوبات هلع.
"عدوى الخوف" المرتبطة بالأحداث السلبية
وفي علم النفس، تشير الدراسات المتكررة حول ما يعرف بـ"عدوى الخوف" إلى أنها تحدث من خلال تناقل الأحداث السلبية على اختلافها، خاصة إن كانت تتعلق بتهديد حياة الإنسان، ولها العديد من الأعراض النفسية والجسدية التي يمكن للإنسان أن يشعر بها بسهولة. كما أن لتناقل الإشاعات دورا كبيرا في حدوثها، كون الإشاعة عادة ما تكون "مبالغا في تفاصيلها".
ولا ينكر موسى سعادة أنه يسارع دوما إلى فتح الإشعارات التي تبدأ بـ"عاجل"، خاصة خلال هذه الفترة التي تعج بالأخبار السريعة والتصريحات "الغريبة"، على حد تعبيره، لا سيما تلك التي تصله مباشرة عبر الإشعارات من منصة "إكس"، التي يتابع من خلالها الأخبار عن كثب، بما تحمله من تفاصيل متلاحقة. ويقول سعادة إن كل من حوله يشاركه تلك الأخبار مباشرة ما إن يتم نشرها، من خلال مجموعات على "الواتساب"، حيث إن الأخبار تهم الجميع والكل يراقب وينتظر كلمة "عاجل" في الأخبار لمعرفة كل ما هو جديد من تطورات الأحداث.
المجتمع برمته يشترك في هذه السمة، انتظار "العاجل"، وهو ما يتسبب بحالة مجتمعية
مختلفة في الأزمات، يتفق فيها الكثيرون على المتابعة. وهنا، تبين خبيرة علم الاجتماع الدكتورة فاديا إبراهيم أن هذا الأمر يحدث في ظل التصاعد المستمر للأحداث الإقليمية والتوترات السياسية، وتأثيرها الذي لم يعد مقتصرا على حدودها الجغرافية، بل أصبح يمتد عبر الشاشات ليصل إلى الأفراد أينما كانوا.
العدوى الانفعالية بين الأفراد
وتوضح إبراهيم أن العصر الرقمي أحدث ظاهرة يمكن تسميتها بـ"القلق عن بعد"، حيث يعيش الإنسان حالة من التوتر والتهديد المستمرين نتيجة تعرضه اليومي والمكثف للأخبار العاجلة والمحتوى الصادم، حتى وإن لم يكن معنيا بشكل مباشر بالحدث.
ومن الناحية الاجتماعية النفسية، تفسر إبراهيم ذلك من خلال مفهوم "العدوى الانفعالية"، وهو انتقال المشاعر بين الأفراد دون تواصل مباشر، حيث تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دور الوسيط، إذ إن التعرض المتكرر لمحتوى مشحون بالخوف أو القلق يحفز الاستجابات النفسية لتتشكل وفقا لهذا التدفق المستمر، فيشعر الفرد وكأن الخطر قريب ومباشر، ومع تكرار التعرض تتحول هذه الاستجابة إلى حالة شبه دائمة من التوتر.
وتبين أن الإشعارات الفورية تلعب دورا محوريا في تعزيز هذا الشعور، فالكلمات المستخدمة مثل "عاجل" و"تحذير" أو "كارثة"، لا تنقل فقط معلومة، بل تبني حالة نفسية كما أن التكرار المستمر للمشاهد الصادمة، خاصة تلك التي تتضمن صورا أو فيديوهات مؤثرة، يعمق الإحساس بالخطر ويجعل الدماغ في حالة استنفار دائم.
وبسبب ذلك التداخل المجتمعي والنفسي في هذا السياق، توضح أيضا الأخصائية في علم النفس الإكلينيكي ديما حداد أن القلق لم يعد مجرد استجابة عابرة لحدث طارئ، بل أصبح حالة نفسية ممتدة تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالإنسان، مع كل إشعار عاجل وكل صورة صادمة، وتحديث متكرر، يجد نفسه في تماس دائم مع مصادر التوتر حتى وإن كان بعيدا جغرافيا عن الحدث.
سلسلة مستمرة من الأفكار القلقة
وتشير حداد إلى أنه، من منظور علم النفس الإكلينيكي، فإن القلق بحد ذاته ليس مشكلة بل هو استجابة طبيعية تهدف إلى الحماية، ولكن ما نلاحظه اليوم هو تحول تدريجي من القلق الظرفي إلى حالة أعمق من الانشغال الذهني المزمن.
وتضيف أن هذا التعبير الشعبي رغم بساطته، يختصر حالة نفسية معقدة، حيث لا يعود القلق مرتبطا بموقف محدد، بل يصبح حاضرا بشكل دائم، يستهلك التفكير والطاقة والانتباه. وفي هذه الحالة، يبدأ العقل بإنتاج سلسلة مستمرة من الأفكار القلقة: ماذا لو حدث الأسوأ؟ ماذا لو فقدنا السيطرة؟ ماذا لو امتد الخطر؟ وغيرها من التساؤلات المشروعة.
هذه التساؤلات لا تنكرها أيضا ميريام، التي تعلق على هذا الأمر بقولها إن الجميع بات يعلم أن كلمة "عاجل" يأتي خلفها الكثير من الأخبار التي تؤثر فيها، سواء أكان ذلك في منطقتنا القريبة أو في الدول المجاورة، وهو ما يولد لديها أحيانا شعورا بالخوف اللاإرادي، على حد تعبيرها. بينما يقول عمر محارب إن ابنه، ذا السبعة أعوام، أصبح على دراية بأن أي شريط أخبار واضح المعالم، أو كلمة عاجل"، هو بمثابة تبليغ لحدث معين، إذ يقول: "بابا في عاجل"، وهو ما لا بد أن يولد شعورا بالخوف لدى الأطفال، من أن ذلك يعني خبرا مهما، وغالبا ما يكون مرتبطا بـ"حدث سيئ"، يتبعه شعور بالخوف.
المشاركة الجماعية للمخاوف
وفي ذات السياق، تقول إبراهيم إن هذا التكرار لا يمنح الفرد فرصة للتهدئة أو المعالجة، بل يرسخ الشعور بأن العالم مكان غير آمن، لافتة إلى أن القلق في العصر الرقمي يحمل سمات "العدوى"، فهو لا ينتقل عبر اللقاءات المباشرة، بل عبر المحتوى والتعليقات والمشاركة الجماعية للمخاوف.
وفي حين يرى الفرد أن الآخرين قلقون أو خائفون أو يتوقعون الأسوأ، فإنه يميل إلى تبني نفس المشاعر، فيتشكل ما يمكن تسميته بـ"القلق الجمعي"، وفق إبراهيم، التي تحذر من ذلك على المدى البعيد، إذ إن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى تغيرات في السلوك الاجتماعي، من أبرزها زيادة التشاؤم، وضعف الشعور بالأمان، وتراجع الثقة والانكفاء نحو الذات.
ومن الناحية النفسية ايضا، تشير حداد إلى أنه مع الوقت، لا يعود هذا التفكير وسيلة للاطمئنان، بل يتحول إلى مصدر إضافي للتوتر، وهنا يظهر ما يسمى إكلينيكيا "القلق المنتج للقلق"، حيث يصبح التفكير نفسه عبئا نفسيا، كما أن التعرض المستمر للأخبار والمشاهد الصادمة يلعب دورا محوريا في ترسيخ هذا النمط، إذ يبقى الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم.
كما تبين أن الدماغ يتعلم، مع التكرار، أن العالم مكان غير آمن، حتى دون تجربة شخصية مباشرة، ومع غياب فترات الراحة النفسية، يتحول القلق إلى حالة افتراضية يعيش فيها الفرد، لا مجرد استجابة مؤقتة، ويتبع ذلك العديد من الأعراض مثل اضطرابات النوم والتوتر الجسدي، والتعب المستمر، كما ينعكس على العلاقات من خلال التوتر أو الغياب الذهني.
بناء علاقة أكثر وعيا مع مصادر المعلومات عدا عن ذلك، تشير حداد إلى وجود تأثير على الأداء اليومي، عبر التشتت وصعوبة التركيز واتخاذ القرار، ومع الوقت قد يتضخم الإحساس بالخطر ويضعف الشعور بالأمان، حتى في بيئات آمنة نسبيا، محذرة من أن استمرار هذا النمط يقربنا من ملامح اضطراب القلق المعمم، حيث يصبح القلق يوميا، منتشرا، وصعب السيطرة عليه، من دون ارتباط مباشر بتهديد محدد.
والخطورة حين يتطور ذلك بشكل صامت، دون أن يدرك الفرد أن ما يعيشه يتجاوز حدود الطبيعي. ومع ذلك، يبقى هذا القلق قابلا للفهم والتنظيم، فالمطلوب ليس الانفصال عن الواقع أو تجاهل ما يحدث إنما إعادة بناء علاقة أكثر وعيا مع مصادر المعلومات. وتنصح بتنظيم التعرض للأخبار وتقليل الإشعارات واختيار أوقات محددة للمتابعة، لما لذلك من دور في خفض مستوى الاستنفار الداخلي.
ووفق إبراهيم، فإن ذلك قد يؤدي أيضا إلى ظهور حالة أخرى تسمى بـ"الإرهاق العاطفي"، حيث يصبح الفرد غير قادر على التفاعل أو التعاطف بسبب فرط التعرض، أو على العكس، يصبح مفرط الحساسية لأي خبر جديد، وقد يؤدي ذلك مجتمعيا إلى خلق بيئة يسودها التوتر والقلق المزمن، مما يؤثر على العلاقات الاجتماعية والإنتاجية، وحتى على تماسك المجتمع.
بناء وعي رقمي متوازن لحماية الأفراد بيد أن ذلك قد يحول بعض المجتمعات إلى ما يعرف بـ"المجتمع القلق"، وهو مجتمع أقل قدرة على التفكير العقلاني، وأكثر عرضة للإشاعات وردود الفعل غير المتزنة.
والحل لا يكمن في الانفصال الكامل عن الواقع، بل في بناء وعي رقمي متوازن، كما تنصح الأفراد بحماية أنفسهم من خلال تقنين التعرض للأخبار، وإيقاف الإشعارات غير الضرورية، واختيار مصادر موثوقة وتخصيص أوقات محددة للاطلاع على المستجدات.
والأهم في مثل هذه الحالات، بحسب إبراهيم، هو تعزيز الروابط الاجتماعية الواقعية، والانخراط في أنشطة يومية إيجابية، ما يساعد في استعادة التوازن النفسي، إذ إن "القلق عن بعد"، هو انعكاس لتحول عميق في بنية الاتصال الإنساني، حيث لم تعد المسافة تحمينا من التأثر والوعي بهذه الظاهرة يمنحنا القدرة على إدارتها، لا الانسياق وراءها، لنحافظ على إنسانيتنا في زمن التدفق المستمر للأحداث.
في حين تنصح حداد بضرورة تدريب العقل على التمييز بين الخطر الحقيقي والمحتمل، والعودة إلى اللحظة الحاضرة بدلا من الانغماس في سيناريوهات المستقبل، باعتبار ذلك جزءا أساسيا من استعادة التوازن. وتؤكد أن ما يسمى "هكلان الهم"، ليس مجرد مبالغة أو سمة شخصية، بل هو انعكاس لواقع نفسي يتشكل تحت ضغط بيئة مليئة بالمحفزات القلقة، وأن التحدي الحقيقي، بين الحاجة إلى البقاء على اطلاع والحفاظ على الصحة النفسية، هو أن "نتعلم كيف نكون جزءا من العالم دون أن نحمل ثقله بالكامل داخلنا".











