مساجد الزرقاء تروي حكاية قرن من التحول والعطاء
القبة نيوز- تجسد المساجد التاريخية في محافظة الزرقاء إرثاً عمرانياً واجتماعياً يمتد لأكثر من مئة عام، حيث تشكل هذه المعالم جزءاً أصيلاً من هوية المدينة وذاكرتها الجماعية.
ومن خلال مآذنها الضاربة في القدم، تروي المساجد حكاية تطور الزرقاء ونموها المتسارع، لتظل معالم راسخة تشهد على نشأة المدينة وتحولاتها الكبرى.
وقال مدير مديرية أوقاف الزرقاء، الدكتور أحمد الحراحشة، إن مسجد أبو بكر الصديق، المعروف شعبياً بـ"جامع الشيشان"، يعد من أقدم الأبنية الدينية في المحافظة، إذ شيد عام 1904 في قلب المنطقة التجارية عند تقاطع شارعي الأمير فيصل وباب الواد، عقب استقرار مهاجرين شيشان قدموا من القوقاز عام 1902.
وأشار إلى أن مساحته آنذاك لم تتجاوز 80 متراً مربعاً، لكنه مثل أول إطار جامع لسكان المنطقة تحت سقف روحي واحد، موضحاً أنه مع اتساع المدينة وقيام معسكرات القوات المسلحة، أعيد بناؤه بعد 26 عاماً بالحجر وفق ملامح العمارة الإسلامية التقليدية، تعلوه قبة رئيسة، لتمتد مساحته إلى 1620 متراً مربعاً بطاقة استيعابية تقارب ألفي مصل.
وأضاف الحراحشة، أن المسجد يضم اليوم مصليات للرجال والنساء، وداراً لتحفيظ القرآن الكريم، ومكتبة إسلامية، وسدة داخلية، ومئذنة بارتفاع 30 متراً، ليبقى شاهداً على البدايات الأولى لتشكل المجتمع المحلي.
وعلى مقربة منه، يبرز مسجد العرب الكبير الذي تأسس عام 1920 بمبادرة من أبناء القبائل وسكان المدينة ليكون رمزاً جامعاً لكل العرب بمختلف أصولهم، إذ أوضح إمام الجامع الشيخ أحمد الزعبي، أن المسجد مر بثلاث مراحل توسعة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قبل أن يعاد تشييده بالكامل عام 2016 بروح معمارية حديثة تستلهم الزخارف الإسلامية والأقواس الحجرية وألوان البناء المتناغمة، بما يعكس صورة حضارية معاصرة للمسجد ودوره.
وأضاف، أن المسجد يمتد على أرض مساحتها 679 متراً مربعاً، ويتكون من 6 طوابق تتسع لنحو 4500 مصل، تخدمها 4 مصاعد ومداخل متعددة، مؤكداً أن رسالة الجامع اليوم تتجاوز حدود الصلاة، إذ يحتضن مركزاً ثقافياً أنشئ بمكرمة ملكية تقام فيه المحاضرات والدورات الشرعية والتعليمية المجانية لطلبة المدارس، إلى جانب دار قرآن دامجة تعنى بالطلبة المكفوفين، ومركز للصم تترجم فيه خطبة الجمعة حضورياً، ومركز صحي، وأقسام متكاملة للنساء بمدخل مستقل، كما يعتمد المسجد كلياً على الطاقة الشمسية في تشغيل مرافقه.
وأشار الزعبي إلى أن جلالة الملك عبد الله الثاني، افتتح المسجد بحلته الجديدة عام 2018، فيما أقيمت مرافق خدمية وحديقة وملعب على أرض وقفية بإشراف متطوعين، حيث يتم إطلاق مبادرات مجتمعية متواصلة تخدم الأسر المحتاجة والمرضى والطلبة، إضافة إلى موائد إفطار رمضانية يومية لنحو 200 مصل، وبرامج شبابية جعلت الجامع حاضنة فاعلة لفئة الشباب، لافتاً إلى أن المسجد أحرز المركز الأول في جائزة الحسين للعمل التطوعي عام 2023، ليغدو أنموذجاً راسخاً وتجربة ملهمة في ترسيخ ثقافة العمل التطوعي.
أما مسجد عمر بن الخطاب الكبير، فقد تأسس عام 1930 في وسط البلد بمبادرة مهاجرين من بلاد الشام، وبدأ باسم "جامع الشوام" قبل أن يحمل اسمه الحالي، حيث أوضح رئيس لجنة رعاية المسجد محمد عوض النجار، أن المسجد خضع في عام 2007 لتوسعة جذرية ضاعفت مساحته عدة مرات، فبعد أن كانت مساحته لا تتجاوز 500 متر مربع عند التأسيس، أصبحت اليوم تمتد على مساحة إجمالية تصل إلى 2727 مترا مربعا.
وأضاف، أن مسجد عمر بن الخطاب، أصبح صرحاً متعدد الطوابق يضم مصليات واسعة، ومواقف مركبات، وبئراً للمياه، ومقاراً للجان الزكاة، وثلاجات لحفظ المواد الغذائية المخصصة للأعمال الخيرية، ومراكز لتحفيظ القرآن الكريم للرجال والنساء، وأقسام تُعنى بالشؤون النسائية، مع تزويده بأنظمة حديثة للتبريد والإنارة والطاقة الشمسية.
وتؤكد هذه المساجد الثلاثة، أن حضورها في الزرقاء لم يكن عمرانياً فحسب، بل ثقافياً واجتماعياً وإنسانياً، إذ أسهمت في صياغة الوعي الجمعي، وتعزيز روح التكافل، وصناعة مساحات جامعة لكل فئات المجتمع، لتبقى مآذنها علامات راسخة في أفق المدينة، تروي حكاية نشأتها وتواكب نهضتها المتجددة.















